أثار تسريب تفاصيل خطة السلام وانهاء الحرب في أوكرانيا التي تعمل عليها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب موجة جدل واسعة، ليس فقط في كييف بل أيضاً في أوروبا. الخطة لا تكتفي بوقف القتال، بل تهدف إلى إعادة صياغة الخريطة السياسية والعسكرية لأوروبا الشرقية، ما يجعلها أكثر من مجرد وسيلة لإنهاء الحرب؛ فهي محاولة لإعادة ترتيب النفوذ الإقليمي بين موسكو والغرب. وتشير التقارير الأميركية إلى أن الخطة، المؤلفة من 28 بنداً، تحاول معالجة مأزقين أساسيين: مصير الأراضي المتنازع عليها، وإمكانية منع روسيا من العودة إلى الحرب لاحقاً.
تُظهر تفاصيل الخطة تنازلات إقليمية كبيرة لصالح روسيا، إذ تمنح موسكو السيطرة الكاملة على لوغانسك ودونيتسك، بينما تُحوّل هذه المناطق إلى نطاق منزوعة السلاح يقيّد الوجود العسكري الفعلي. وفي مناطق مثل خيرسون وزابوروجيا، تركز الخطة على تجميد خطوط السيطرة الحالية، مع إمكانية إعادة النظر فيها لاحقاً من خلال مفاوضات مستقبلية. وعلى الرغم من أن كييف لن تُجبَر على الاعتراف بالقرم ودونباس كأراضٍ روسية، فإن اعتراف الولايات المتحدة وعدة دول غربية بذلك يخلق واقعاً سياسياً يقلص هامش المناورة الأوكراني، ويضع كييف في موقف دفاعي أكثر من كونه تفاوضياً.
إلى جانب ذلك، تفرض الخطة قيوداً واضحة على الجيش الأوكراني، خصوصاً الصواريخ البعيدة المدى، مقابل تقديم “ضمانات أمنية” غامضة لم تتضح بعد تفاصيلها. فواشنطن لم تحدد ما إذا كانت ستشارك مباشرة في الدفاع عن أوكرانيا، أم ستكتفي بدور الردع السياسي، وهو ما يثير شكوكاً حول مصداقية التزاماتها في حال خرق موسكو للاتفاق. كما تشمل الخطة مطلباً بتجميد مساعي أوكرانيا للانضمام إلى الناتو لسنوات، ما يمس جوهر الصراع مع موسكو ويضع قيوداً طويلة الأمد على التحالفات الإستراتيجية لأوكرانيا.
وفي خطوة تعكس حرص موسكو على إبراز تقدمها العسكري، زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الخميس أحد مراكز القيادة للجيش الروسي المقاتل في أوكرانيا، واستمع إلى تقارير ضباط حول الوضع على الجبهة، وفق ما أفاد الكرملين. وأكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أن بوتين عقد اجتماعاً مع رئيس هيئة الأركان في مركز القيادة الواقع غرب خطوط المواجهة، دون تحديد ما إذا كان داخل الأراضي المحتلة أو داخل روسيا.
تزامن هذا الزيارة مع إعلان روسيا السيطرة على مدينة كوبيانسك في شمال شرق أوكرانيا، وهي إحدى المدن التي شهدت تقدماً للقوات الروسية خلال الأسابيع الأخيرة، ما يعكس صعوبات تواجهها القوات الأوكرانية على الجبهة. وأوضح التلفزيون الروسي أن قائد القوة الغربية سيرغي كوزوفليف أبلغ بوتين بأن القوات الروسية “أكملت تحرير مدينة كوبيانسك”، واصفاً المدينة بأنها “محور أساسي في الدفاع الأوكراني”. هذا التقدم الميداني يعزز موقف موسكو في المفاوضات، ويزيد من الضغوط على كييف لقبول أي تسوية سياسية قد تفرضها الخطة الأميركية.
تلعب تركيا وقطر دوراً محورياً في الوساطة، بعد نجاحهما في إدارة صفقات وقف إطلاق النار السابقة في مناطق أخرى. يعكس هذا النهج رغبة واشنطن في إيجاد وسطاء مقبولين لكل من موسكو وكييف، في ظل فشل أوروبا في لعب هذا الدور خلال السنوات الماضية. كما تشير مشاركة شخصيات اقتصادية روسية في المفاوضات إلى احتمال إدراج مسار اقتصادي موازٍ لتخفيف العقوبات تدريجياً عن موسكو، ما يعكس الطابع متعدد الأبعاد للخطة الأميركية: سياسي، أمني، واقتصادي.
من جانبها، تبدو موسكو حذرة، إذ تؤكد تصريحات الكرملين أن موقفها لم يتغير منذ محادثات ألاسكا. فالتسريبات الإعلامية الروسية التي عبّرت عن حماس متحفظ، تشير إلى أن موسكو تعتبر الخطة فرصة لتخفيف الضغط العسكري والاقتصادي، لكنها لا تنوي تقديم تنازلات جوهرية فيما يخص أهدافها الإستراتيجية في الأراضي الأوكرانية.
أما أوروبا وكييف فترى الخطة بعيون نقدية حادة: الدول الأوروبية تعتبرها انتهاكاً للمبادئ التي دعمها الغرب منذ بداية الحرب، وكييف تعتبرها تهديداً مباشراً لسيادتها ولتوازن القوى الداخلي. إذ يُنظر إلى المقترح على أنه يميل لصالح موسكو، مع فرض خسائر سياسية وجغرافية طويلة الأمد على أوكرانيا.
في النهاية، تسعى إدارة ترامب عبر هذه الخطة إلى إنهاء الحرب بسرعة، معتبرة أن استمرارها قد يضر بأوكرانيا أكثر من التسوية المبكرة. لكنها تواجه تناقضاً واضحاً: فهي تتطلب تنازلات عميقة من الطرف الذي تعرض للغزو، بينما تعتمد على التزام دولة سبق أن خرقت اتفاقات مشابهة. نجاح هذه المبادرة، إذا حدث، سيعتمد على قدرة كييف على تحمل “الألم السياسي” لوقف الحرب، وقدرة موسكو على تقديم ضمانات يمكن الوثوق بها من قبل الأطراف الغربية، خصوصاً في ظل تعاظم المكاسب الميدانية الروسية الأخيرة مثل السيطرة على كوبيانسك.






