تسليط الضوء على الانتهاكات التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق الأراضي الفلسطينية والتوسع الاستيطاني المتسارع في الضفة الغربية يبرز صورة مقلقة للوضع الأمني والسياسي في المنطقة. التقرير الذي أعدّه المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان يعكس استمرار الاعتداءات التي تنتهك حقوق الفلسطينيين في مناطق متنوعة، بدءًا من فرض الحواجز العسكرية والاعتقالات وصولًا إلى محاولات تغيير الواقع الديموغرافي في الأراضي المحتلة من خلال إقامة المستوطنات والبؤر الاستيطانية.
طمس الهوية الفلسطينية
أحد أبعاد هذا التصعيد هو الدعم العسكري المكشوف الذي يقدمه جيش الاحتلال لمشاريع الاستيطان، خصوصًا تلك التي تتعلق بالمزارع الرعوية الاستيطانية. زيارة رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي، إيال زامير، إلى إحدى البؤر الاستيطانية في شمال الضفة الغربية في أغسطس الماضي تشكل مؤشرًا واضحًا على مشاركة الجيش في تعزيز وتوسيع هذه البؤر غير القانونية. فالمشروعات الاستيطانية في منطقة الأغوار، على وجه الخصوص، تُظهر سياسة ممنهجة تهدف إلى استهداف الأراضي الفلسطينية عبر إقامة مزارع رعوية يسعى الاحتلال من خلالها إلى طمس الهوية الفلسطينية لهذه المناطق.
يُذكر أن مشروع البؤر الاستيطانية بدأ منذ عام 2016 بعد جريمة حرق عائلة دوابشة في دوما من قبل المستوطنين، وهو يهدف إلى دمج المستوطنين في مشاريع “أيديولوجية” تسمح لهم بالاستيطان في مناطق الأغوار التي تشهد بالفعل وجودًا فلسطينيًا ضئيلًا. وبالرغم من أن هذه البؤر تُعتبر غير قانونية بموجب القانون الإسرائيلي نفسه، فإن الجيش والسلطات الإسرائيلية قد قدما لها الدعم، وأحيانًا منعت عمليات الهدم التي قد تُنفذ ضدها، مما يجعل العلاقة بين الجيش والمستوطنين أكثر تعقيدًا وتداخلاً.
استراتيجية تهويد القدس
وعلى صعيد آخر، يُلاحظ أن الاحتلال الإسرائيلي قد طور آليات جديدة لتنفيذ خطط الاستيطان في قلب المدن الفلسطينية، مثل الخليل والقدس. ففي الخليل، كما يشير التقرير، بدأ المستوطنون في إقامة مستوطنات جديدة في شارع الشلالة، ما يهدد حياة الفلسطينيين عبر تقليص وصولهم إلى البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي. وتُظهر هذه الأعمال استمرارية السياسة الاستيطانية الهادفة إلى تجزئة الأراضي الفلسطينية وتعزيز الهيمنة الإسرائيلية على المناطق الحيوية.
وفي القدس، حيث تنفذ سلطات الاحتلال مشاريع التوسع الاستيطاني في مناطق مثل “جعفات هتموس” و”معاليه أدوميم”، تهدف الحكومة الإسرائيلية إلى توسيع المستوطنات في قلب المدينة. هذه المشاريع تمثل جزءًا من استراتيجية تهويد القدس، التي تتضمن ترحيل السكان الفلسطينيين وتغيير الطابع الديموغرافي للمدينة، مما يعزز مشروع السيطرة على الأراضي الفلسطينية لصالح المستوطنين.
فرض واقع استيطاني
من جانب آخر، لا تقتصر الانتهاكات على الاستيطان فحسب، بل تشمل أيضًا اعتقالات وعمليات قمع ضد الفلسطينيين، بما في ذلك القادة المحليين. فالتقرير يسلط الضوء على عدد من الاعتقالات التي جرت مؤخرًا في قرى وبلدات الضفة الغربية، حيث يُتّهم الجيش الإسرائيلي بالتحريض ضد القادة المحليين الفلسطينيين الذين يسعون للحد من الاعتداءات الاستيطانية وحماية أراضيهم. في هذا السياق، تتضح سياسة التنسيق بين الاحتلال والمستوطنين، حيث تُحرم المجتمعات الفلسطينية من حقوقها الأساسية، في الوقت الذي يتم فيه تسهيل الاستيطان والاحتلال العسكري للمنطقة.
أما فيما يتعلق بالاستيطان في الأراضي الزراعية، فقد شهدت العديد من المناطق، مثل سلفيت ونابلس، أعمال تجريف للأراضي واعتداءات على الممتلكات الزراعية الفلسطينية. وهذه الأعمال لا تقتصر على النهب الاستيطاني للأراضي، بل تمتد إلى تدمير وتخريب الممتلكات الزراعية، بما في ذلك الأشجار والمعدات الزراعية.
السيطرة على الأراضي الفلسطينية
ويمكن القول إن التوسع الاستيطاني الإسرائيلي لا يعد مجرد تصرفات عشوائية أو فردية، بل هو جزء من استراتيجية مدروسة تهدف إلى فرض واقع استيطاني يعزل الأراضي الفلسطينية عن بعضها البعض، وبالتالي يقضي على أي أمل في إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة. تتضح هذه السياسة في المناطق المصنفة “ج” في الضفة الغربية التي تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، حيث يتم استهداف الأراضي الفلسطينية بشكل خاص، وتحويلها إلى مناطق مستوطنات جديدة تحت حماية الجيش الإسرائيلي.
التقرير يكشف عن تصعيد خطير في اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية، حيث يستمر التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس بوتيرة متسارعة، مدعومًا من قبل الجيش الإسرائيلي في خطوة تدمج بين الأبعاد العسكرية والسياسية لفرض المزيد من السيطرة على الأراضي الفلسطينية.




