تصاعدت حدة التوتر بين الجزائر وفرنسا بعد أن كشفت مصادر دبلوماسية عن إجراء جديد اتخذته الخارجية الفرنسية، يقضي بتقييد وصول موظفي البعثة الدبلوماسية الجزائرية إلى المناطق الآمنة في المطارات الفرنسية، وهي المناطق المخصصة لنقل أو استلام الحقائب الدبلوماسية.
الجزائر اعتبرت الخطوة انتهاكًا صارخًا لالتزامات فرنسا بموجب المادة 27 الفقرة 7 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، والتي تكفل حق أي بعثة في إرسال أحد أعضائها لاستلام الحقيبة مباشرة من قائد الطائرة.
تمييز دبلوماسي أم إجراء أمني؟
المصدر المطلع أوضح أن فرنسا، في إطار التزاماتها الدولية، تمنح عادةً للبعثات الدبلوماسية والقنصلية بطاقات وصول دائمة للمناطق المحمية في المطارات، لكن الإجراء الجديد استبعد البعثة الجزائرية بشكل حصري، ما اعتبرته الجزائر معاملة تمييزية تتناقض مع مبدأ المساواة المنصوص عليه في المادة 47 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية والمادة 72 من اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية.
الخارجية الجزائرية ترفض وتتمسك بالمبدأ
وزارة الخارجية الجزائرية أكدت أن القرار الفرنسي يطال فقط سفارة الجزائر في باريس، ويتجاهل المكاتب القنصلية الجزائرية في فرنسا، التي مُنع موظفوها أيضًا من الحصول على بطاقات وصول دائمة.
وشددت الجزائر على أن الحل الوحيد يتمثل في إعادة هذه البطاقات فورًا، التزامًا بالقوانين الدولية والاتفاقيات الثنائية الموقعة بين البلدين.
المعاملة بالمثل.. سلاح الجزائر الدبلوماسي
الجزائر أوضحت أنه بمجرد استعادة فرنسا لبطاقات الوصول لموظفيها، ستقوم برفع التدابير المماثلة التي فرضتها على الجانب الفرنسي، في إطار سياسة المعاملة بالمثل.
هذا التوجه يعكس إصرار الجزائر على حماية حقوقها الدبلوماسية وعدم القبول بأي إجراء يُفسر على أنه مساس بسيادتها أو مكانة بعثتها في الخارج.
سياق تاريخي للتوترات الثنائية
العلاقات الجزائرية – الفرنسية لطالما مرت بمراحل مد وجزر، تتأثر بمزيج من الملفات الحساسة، بدءًا من الذاكرة الاستعمارية، مرورًا بالتصريحات السياسية المتبادلة، وصولًا إلى قضايا الهجرة والتأشيرات.
ويعتبر هذا الخلاف حول الإجراءات الدبلوماسية امتدادًا لسلسلة أزمات سابقة، عكست هشاشة الثقة بين الطرفين وصعوبة بناء شراكة استراتيجية مستقرة.
اتفاقية فيينا.. خط أحمر للدبلوماسيين
اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، الموقعة عام 1961، تُعد المرجع الأساسي لتنظيم العلاقات بين الدول وحماية البعثات الدبلوماسية.
وبحسب خبراء القانون الدولي، فإن أي مساس بحقوق البعثات في التنقل ونقل الحقائب الدبلوماسية يُصنف خرقًا صريحًا للاتفاقية، ما يمنح الجزائر أساسًا قانونيًا قويًا للاحتجاج، وربما حتى لطرح المسألة على المنابر الدولية إذا استمر التصعيد.
انعكاسات محتملة على التعاون الأمني والاقتصادي
المراقبون يحذرون من أن الخلاف الحالي قد يلقي بظلاله على ملفات تعاون حيوية بين البلدين، خاصة في مجالات مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية والتبادل التجاري.
وفي حال لم تُحل الأزمة سريعًا، فقد تلجأ الجزائر لإعادة النظر في بعض الترتيبات الأمنية أو الاقتصادية القائمة، الأمر الذي قد يضر بالمصالح الفرنسية في شمال أفريقيا.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
المحللون يطرحون عدة سيناريوهات لمسار الأزمة: إما أن يتراجع الطرف الفرنسي عن الإجراء في إطار تسوية هادئة تحفظ ماء الوجه للجميع، أو أن تتصاعد حدة التوتر لتصل إلى تبادل المزيد من القيود والإجراءات المضادة.
وفي الحالتين، من المرجح أن تبقى الأزمة مؤشرًا على عمق الخلافات بين باريس والجزائر، وضرورة معالجة جذور الأزمة بدل الاكتفاء بالحلول المؤقتة.







