شهدت مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، يوماً دامياً بعد أن شنّت «قوات الدعم السريع» هجوماً أسفر عن مقتل 18 مدنياً على الأقل، وفق ما أكدته مصادر طبية محلية.
هذه المدينة، التي تُعد آخر معقل كبير للجيش وحلفائه في الإقليم، تواجه حصاراً خانقاً منذ أكثر من 500 يوم، وسط انعدام شبه كامل للمساعدات الإنسانية، ما جعلها ساحة مفتوحة للعنف والمجاعة والخوف.
ضحايا مدنيون ومعاناة مضاعفة
بحسب مصادر طبية، فإن الحصيلة المعلنة تقتصر على الجثامين التي وصلت إلى مستشفى الجنوب ومستشفى الفاشر، فيما جرى دفن قتلى آخرين مباشرة في مخيم أبو شوك للنازحين.
شهود عيان أشاروا إلى أن المدنيين سقطوا داخل منازلهم بفعل القصف العشوائي، فيما اعتُقل آخرون في ظروف غامضة.
الأحياء الشمالية للمدينة، خاصة حي الشرفة، كانت الأكثر تضرراً وسط تحليق مستمر لطائرات مسيّرة فوق سماء الفاشر.
تصعيد عسكري وقصف متواصل
تنسيقية لجان المقاومة المحلية أوضحت أن «الدعم السريع» دفع بتعزيزات عسكرية نحو شمال المدينة، وأقام مواقع مدفعية داخل وحول مخيم أبو شوك، ما جعل المدنيين عرضة لقصف متواصل منذ فجر الثلاثاء.
من جانب آخر، أكد الجيش السوداني أنه نفّذ هجوماً مضاداً نجح خلاله في صدّ بعض محاولات التقدم، إلا أن الوضع الميداني لا يزال هشاً ومعرّضاً لانفجارات عنف جديدة.
أزمة إنسانية خانقة تحت الحصار
الفاشر، التي يقطنها نحو 260 ألف نسمة نصفهم من الأطفال، تعيش ظروفاً قاسية بفعل الحصار الطويل. الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية أكدت أن المدينة على حافة كارثة إنسانية بسبب انقطاع الغذاء والدواء وشحّ المياه، في ظل توقف شبه كامل لقوافل الإغاثة منذ أشهر.
منظمة «آفاز» وصفت القصف المستمر بأنه «كارثة تتكشف أمام أنظار العالم»، داعيةً المجتمع الدولي إلى تحرّك عاجل لوقف الهجمات وحماية المدنيين.
حرب السودان.. نزيف لا يتوقف
منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، قُتل عشرات الآلاف ونزح الملايين داخل السودان وخارجه.
وباتت الفاشر اليوم رمزاً لصمود المدنيين في وجه آلة الحرب، لكنها أيضاً عنوانٌ لفشل الجهود الدولية في فرض هدنة أو ممرات آمنة.
ويرى الخبير العسكري السوداني اللواء المتقاعد عبد الرحمن الحاج أن مدينة الفاشر تمثل «عقدة الصراع» في دارفور، نظراً لكونها آخر مركز حضري كبير تحت سيطرة الجيش وحلفائه. ويضيف: «من يسيطر على الفاشر يفرض واقعاً جديداً على خريطة النزاع، لذلك فإن الدعم السريع يضاعف من هجماته رغم الكلفة الإنسانية الباهظة».
أما المحلل السياسي محمد الأمين فيؤكد أن الحصار الممتد منذ أكثر من 500 يوم ليس مجرد إجراء عسكري بل «أداة ضغط نفسي واجتماعي».
ويشير إلى أن استهداف المدنيين يهدف إلى كسر حاضنتهم الشعبية وإضعاف معنويات الجيش، وهو تكتيك يُستخدم بشكل متكرر في النزاعات الطويلة.
الوضع الإنساني يتجاوز حدود السودان
الباحثة في معهد الدراسات الإفريقية بالقاهرة، الدكتورة نهى عبد الله، ترى أن المأساة في دارفور ليست محلية فقط بل «تمتد آثارها إلى دول الجوار».
وتوضح: «نزوح مئات الآلاف يضغط على تشاد وجنوب السودان وليبيا، ما يهدد بخلق موجات عدم استقرار إقليمي».
الخبير الأممي السابق في شؤون النزاعات، جاك لوران، يصف الوضع في دارفور بأنه «إحدى أسوأ الأزمات المنسية». ويضيف: «الانشغال الدولي بأزمات أوكرانيا والشرق الأوسط جعل دارفور في الهامش، ما منح طرفي النزاع حرية أكبر في استخدام العنف دون محاسبة».
المدنيون هم الخاسر الأكبر
تؤكد الناشطة السودانية هالة عبد القادر، المتخصصة في توثيق جرائم الحرب، أن المدنيين أصبحوا وقود الصراع. وتقول: «لا يهم أي طرف يسيطر على المدينة، فالمحصلة واحدة: أطفال جائعون، نساء مشردات، وشيوخ يُدفنون بلا عدّاد».
وتطالب بآلية دولية عاجلة لضمان ممرات إنسانية آمنة إلى الفاشر.






