تشهد العلاقات المغربية الروسية في السنوات الأخيرة تطورًا لافتًا يعكس رغبة متبادلة في إعادة صياغة التوازنات الدبلوماسية الإقليمية والدولية، وتوسيع مساحة الحوار حول الملفات الكبرى، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية التي تمثل جوهر السياسة الخارجية المغربية منذ عقود. اللقاء الذي جمع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة بنظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو، لم يكن لقاءً بروتوكوليًا عادياً، بل محطة سياسية تحمل أبعاداً استراتيجية، إذ كشف عن توافق متنامٍ بين الرباط وموسكو بشأن ضرورة احترام القانون الدولي والمبادئ الأممية دون تأويلها أو تسييسها بما يعرقل المسار نحو تسوية عادلة ودائمة لقضية الصحراء المغربية.
هذا التقارب في الرؤى بين الجانبين يأتي في مرحلة حساسة من تاريخ النزاع، حيث يشهد الملف حراكاً دبلوماسياً مكثفاً داخل مجلس الأمن، بالتوازي مع تحولات جيوسياسية أوسع تعيد رسم موازين القوى في المنطقة المغاربية والإفريقية. ومن هنا، يصبح تصريح بوريطة من موسكو ذا دلالات أعمق من مجرد تطابق لغوي في الخطاب، بل يعكس محاولة مغربية واعية لإشراك روسيا — كقوة عظمى وعضو دائم في مجلس الأمن — في بلورة توازن دولي جديد يحد من التأثير الأحادي لبعض القوى الغربية التقليدية في هذا الملف، وعلى رأسها فرنسا والولايات المتحدة.
قضية الصحراء المغربية تفتح آفاق سياسي واقتصادي
في المقابل، تُدرك روسيا أن انخراطها المتوازن في قضية الصحراء المغربية يمكن أن يعزز حضورها في شمال إفريقيا، ويفتح أمامها آفاق تعاون اقتصادي وسياسي في منطقة تُعد من أكثر المناطق دينامية على مستوى الاستثمار والطاقة والموانئ والممرات البحرية. لذلك، لم يكن غريباً أن يؤكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال الندوة الصحفية أن بلاده «تتقاسم مع المغرب الموقف القاضي بضرورة عدم تفسير المبادئ الدولية بشكل انتقائي، بل بتطبيقها واحترامها بصورة شاملة ومتكاملة».
هذه العبارة تختصر الموقف الروسي الراسخ في رفض الانتقائية في تفسير القانون الدولي — سواء في أوكرانيا أو في الصحراء — لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام قراءة أكثر توازناً للملف من منظور سيادي مغربي يتوافق مع مقاصد الأمم المتحدة دون المساس بوحدة التراب الوطني.
القانون الدولي في صلب التقارب
من الناحية القانونية، يُدرك المغرب أهمية الرهان على لغة الشرعية الدولية في مخاطبة المجتمع الدولي، ولذلك حرص بوريطة في موسكو على التأكيد أن الحل السياسي لقضية الصحراء يجب أن ينسجم مع قرارات مجلس الأمن، خصوصاً القرار رقم 2602 الذي كرّس واقعية المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية ومصداقية للتسوية. في المقابل، تدعم روسيا منهجية الأمم المتحدة القائمة على الحل السلمي التفاوضي دون فرض حلول أحادية، وهو ما يجعل مقاربة موسكو تتقاطع مع الرؤية المغربية القائمة على الواقعية والتوافق بدلاً من الصدام والانفصال.
ولئن كانت موسكو تاريخياً قد احتفظت بمسافة حذرة في تعاملها مع النزاع، فإن تحولها التدريجي نحو خطاب يؤكد ضرورة احترام وحدة الدول وسيادتها ينسجم عملياً مع الموقف المغربي. فروسيا، التي تخوض مواجهات دبلوماسية مع الغرب حول مبدأ السيادة الوطنية وعدم التدخل، لا تجد حرجاً في الدفاع عن المبدأ نفسه في الحالة المغربية، طالما أنه لا يتعارض مع مقاربة الأمم المتحدة.
هذا الانسجام القانوني لا يُلغي وجود اختلاف في الأدوات أو في السياقات، لكنه يشير إلى وجود تقاطع استراتيجي في الفهم: المغرب يرى في القانون الدولي ركيزة للدفاع عن وحدته الترابية، وروسيا ترى فيه أداة لكبح الانتقائية الغربية في إدارة الأزمات الدولية. ومن هنا، يصبح الملف المغربي مساحة تلاقٍ دبلوماسي تتيح للطرفين اختبار إمكانيات تعاون أوسع في قضايا الأمن الإقليمي، والطاقة، والتنمية في إفريقيا.
البعد الجيوسياسي للتقارب
يأتي هذا التقارب في لحظة تتزايد فيها حدة الاستقطابات العالمية بين الشرق والغرب. المغرب الذي نسج تحالفات قوية مع الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا، لا يسعى إلى تغيير تحالفاته بقدر ما يسعى إلى تنويع شركائه الاستراتيجيين. فبعد أن كسب دعماً واسعاً من العواصم الغربية لمبادرة الحكم الذاتي، يتجه اليوم إلى ترسيخ توازن دبلوماسي يجعله فاعلاً مستقلاً، لا تابعاً لأي محور. ومن هنا يكتسب الانفتاح على روسيا بعداً استراتيجياً مزدوجاً: فهو من جهة يُظهر استقلالية القرار المغربي وقدرته على التحاور مع مختلف القوى، ومن جهة أخرى يمنح موسكو فرصة لإثبات قدرتها على لعب دور متوازن في شمال إفريقيا بعيداً عن الانحياز لأي طرف في النزاعات الإقليمية.
روسيا بدورها تنظر إلى المغرب كدولة مستقرة نسبياً في منطقة مضطربة، قادرة على أن تكون جسراً للتواصل مع إفريقيا والغرب في آنٍ واحد. وفي ظل تراجع النفوذ الفرنسي في الساحل الإفريقي، وبروز أدوار جديدة لتركيا والصين، ترى موسكو في الرباط شريكاً يمكن أن يمنحها حضوراً اقتصادياً وسياسياً مشروعاً في المنطقة، دون أن يُنظر إليه كتهديد من قبل الغرب.
وهذا ما يفسر الاهتمام الروسي المتزايد بتقوية العلاقات الثنائية على مستوى الطاقة والزراعة والتعليم والدفاع المدني، بما يجعل من التعاون في ملف الصحراء مدخلاً لبناء شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد تتجاوز مجرد التنسيق السياسي.
الدور المغربي في ترسيخ مقاربة الحل الواقعي
من الناحية السياسية، يعمل المغرب منذ سنوات على نقل ملف الصحراء من خانة النزاع الإقليمي إلى إطار التعاون الدولي، من خلال إعادة تعريف القضية بوصفها مسألة استقرار وتنمية إقليمية وليست مجرد صراع حدودي. هذا التحول الخطابي الذي يقوده الملك محمد السادس، يقوم على فرض معادلة جديدة: التنمية هي الحل، والحكم الذاتي هو الإطار، والسيادة الوطنية خط أحمر لا يقبل المساومة.
هذا التوجه، الذي عزّزته مشاريع اقتصادية كبرى في الأقاليم الجنوبية، جعل الموقف المغربي يحظى بتأييد متزايد من دول عربية وأفريقية وأوروبية وأميركية لاتينية. وفي هذا السياق، يأتي الحوار مع روسيا لتوسيع دائرة التفاهم الدولي حول وجاهة الطرح المغربي، في مواجهة محاولات خصوم المملكة إعادة تدوير خطاب الانفصال أو التشكيك في مشروعية السيادة المغربية.
بالمقابل، تدرك موسكو أن الجمود في ملف الصحراء لا يخدم استقرار المنطقة المغاربية، وأن أي تصعيد قد ينعكس سلباً على مصالحها في المتوسط والساحل الإفريقي. لذا، فهي تميل إلى دعم مسار الأمم المتحدة تحت إشراف المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا، وتشجع الحلول التي تضمن الاستقرار وتحول دون انتشار التوتر في شمال إفريقيا. وهو ما يجعل الموقف الروسي أقرب عملياً إلى الطرح المغربي القائم على الواقعية السياسية والمرجعية الأممية، بعيداً عن الأدلجة أو الاصطفاف.
احترام السيادة وعدم الانتقائية
اللافت في تصريحات لافروف هو تركيزه على رفض الانتقائية في تطبيق القانون الدولي، وهي نقطة تشكل لبّ الخلاف بين موسكو والعواصم الغربية. فروسيا، التي تتهم الغرب بتسييس مبادئ الأمم المتحدة بما يخدم مصالحه، ترى أن احترام وحدة الدول لا يمكن أن يكون مشروطاً بالاصطفافات السياسية.
من هنا، يمكن القول إن الخطاب الروسي ينسجم مع المنطق المغربي الذي يعتبر أن السيادة الوطنية ليست محل تفاوض، وأن احترام وحدة التراب المغربي هو تطبيق فعلي لمبدأ القانون الدولي الذي يحمي الدول من التفكك. هذا التلاقي في المفاهيم يمنح الرباط هامشاً واسعاً لتعزيز تواصلها مع موسكو، لا سيما في ضوء رئاستها الحالية لمجلس الأمن خلال شهر أكتوبر، وهو توقيت حساس يتزامن مع مناقشة التقرير السنوي للأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء المغربية.
مقاربة متوازنة متعددة الأقطاب
في العمق، يعكس هذا التقارب تحولاً في بنية العلاقات الدولية نحو التعددية القطبية. فالمغرب يدرك أن النظام الدولي الجديد لن يُبنى على محور واحد، وأن ضمان استقرار ملف الصحراء يحتاج إلى تفاهم مع جميع الفاعلين الكبار. ومن جهة أخرى، ترى روسيا أن تعزيز العلاقات مع المغرب — بوصفه شريكاً معتدلاً ومستقراً — يمكن أن يعزز حضورها في إفريقيا ويعيد رسم خطوط النفوذ الدولي بطريقة متوازنة.
إن الحوار المغربي الروسي اليوم لا يدور فقط حول قضية الصحراء، بل حول فلسفة إدارة النزاعات الدولية: هل تُحلّ النزاعات بالضغط السياسي والانحياز، أم بالحوار والشرعية الدولية؟ الإجماع الذي أبداه بوريطة ولافروف بأن القانون الدولي يجب أن يُحترم دون تأويل، يمثل رسالة مشتركة إلى المجتمع الدولي مفادها أن الحلول الواقعية لا تُفرض من الخارج، بل تُبنى على التفاهم المتبادل واحترام سيادة الدول.
منهج الواقعية السياسية
إن اللقاء المغربي الروسي في موسكو يمثل تحولاً نوعياً في توازنات الدبلوماسية المغربية، التي باتت تجمع بين العمق الإفريقي والانفتاح الأوروبي والشراكة الآسيوية. فالمغرب الذي اختار الواقعية السياسية كمنهج، يجد في روسيا شريكاً يفهم منطق السيادة ويحترم القانون الدولي بمعناه الشامل، لا الانتقائي.
وبينما تستمر بعض القوى في استغلال مبادئ الشرعية الدولية لخدمة أجنداتها الخاصة، يبرز التعاون المغربي الروسي كصيغة جديدة للتوازن تقوم على الاحترام المتبادل، والشرعية القانونية، والدبلوماسية الهادئة.
هذه المعادلة الجديدة قد تشكل في المستقبل القريب أحد المداخل الفاعلة لتقريب وجهات النظر داخل مجلس الأمن حول تسوية النزاع، بما يرسخ سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، ويفتح آفاقاً لشراكة دولية أكثر عدلاً واستقراراً في منطقة المتوسط وإفريقيا.







