تمثل زيارة الرئيس الكوري الجنوبي “لي جاي ميونغ” إلى القاهرة، والتي جاءت في سياق الاحتفال بمرور ثلاثين عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، محطة مفصلية في مسار العلاقات المصرية الآسيوية. وعلى الرغم من أن العلاقات الاقتصادية بين القاهرة وسيؤول شهدت نشاطاً متفاوتاً خلال العقد الأخير، فإن هذه الزيارة تحمل دلالات تتجاوز الطابع البروتوكولي، وتمتد إلى إعادة صياغة توجه مصر الاستراتيجي نحو آسيا، وبناء قاعدة شراكات اقتصادية وتكنولوجية تعكس التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم.
دلالات التوقيت والاستقبال الرسمي
التوقيت ليس عادياً. فالزيارة تأتي بعد أشهر قليلة من نجاح مصر في وقف الحرب على غزة، واستضافة “قمة شرم الشيخ للسلام”، في لحظة عززت الدور الإقليمي للقاهرة دولياً، وأبرزت قدرتها على توظيف شبكة علاقاتها الدبلوماسية. كما أن استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي لضيفه الكوري وزوجته بمراسم رسمية شاملة – من حرس الشرف إلى السلامين الوطنيين، ثم المشاورات المغلقة فالموسعة – يعكس اهتماماً استثنائياً بترسيخ مستوى جديد من العلاقة.
وبالنظر إلى أن الزيارة هي الأولى للرئيس الكوري منذ توليه منصبه في يونيو 2025، فإن حرصه على أن تكون القاهرة محطته ضمن جولاته الخارجية يعكس تحولاً في نظرة كوريا للمنطقة، واعترافاً بمكانة مصر كدولة محورية يمكن الاعتماد عليها في الشرق الأوسط.
الزيارة في سياق السياسة المصرية نحو آسيا
رغم أن السياسة الخارجية لمصر اتسمت تاريخياً بتركيز كبير على الغرب والخليج، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت انفتاحاً متنامياً على آسيا، وخاصة شرق آسيا. ويمكن رصد ثلاثة دوافع رئيسية لهذا التوجه:
– البحث عن مصادر استثمار وتكنولوجيا بديلة في ظل التنافس الدولي وتراجع شهية المؤسسات الغربية لتمويل مشروعات البنية التحتية الكبرى في الدول النامية.
– إدراك مصر لأهمية آسيا كقوة اقتصادية صاعدة تمتلك قدرات تكنولوجية وصناعية يمكن أن تتكامل مع احتياجات الاقتصاد المصري.
– محاولة تحقيق تنويع استراتيجي في العلاقات الدولية يمنح القاهرة هامشاً أكبر للمناورة بعيداً عن الضغوط السياسية.
في هذا الإطار، يمكن اعتبار الزيارة الكورية استمراراً للنهج ذاته الذي تجلى سابقاً في تعزيز التعاون مع الصين، واليابان، والهند، وسنغافورة، وماليزيا.
الأبعاد الاقتصادية للزيارة
الفقرات الواردة في البيان الرسمي تكشف بوضوح أن الجانب الاقتصادي كان العنوان الأبرز، ويمكن تفصيله على النحو الآتي:
1. توسيع الاستثمارات الكورية في مصر
أكد السيسي تطلعه لزيادة حجم أعمال الشركات الكورية في قطاعات محددة: “الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الذكاء الاصطناعي، صناعة السيارات، بناء السفن، البتروكيماويات، التعدين”.
ويأتي هذا التوجه في لحظة تسعى فيها مصر لتعميق التصنيع المحلي، وتقليل الاعتماد على الواردات، وجذب شركات عالمية للتمركز داخل السوق المصرية، خاصة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. وجود كوريا الجنوبية في هذه القطاعات يمثل إضافة نوعية، لكونها من الدول المتقدمة تكنولوجياً، القادرة على نقل خبرات تصنيعية متقدمة، كما هو الحال في تجاربها الاستثمارية في الهند وفيتنام وإندونيسيا.
2. توطين التكنولوجيا والصناعة الثقيلة
اللافت في تصريحات السيسي تركيزه على توطين الصناعات وليس مجرد جذب استثمارات عابرة. فالدعوة لإقامة مصانع سيارات وسفن وبتروكيماويات داخل مصر تعكس توجهاً نحو خلق صناعة وطنية ذات قيمة مضافة. ويبدو أن القاهرة تستهدف النموذج الكوري تحديداً، لأنه يعتمد على الشراكات الممتدة وعلى توطين الكفاءات، كما حدث في تجارب “سامسونغ” و”هيونداي” و”دايو” في أسواق آسيوية وأفريقية.
3. التعليم كركيزة استراتيجية
تضمن البيان بحث إنشاء: “جامعة كورية متخصصة في العلوم والتكنولوجيا، مدارس كورية في مصر، مذكرات تفاهم في الثقافة والتعليم”، وهو مؤشر على أن مصر تسعى إلى نقل التجربة التعليمية الكورية، التي تُعد واحدة من أنجح النماذج في العالم، وربطها بمشروع التحول الرقمي وبناء القدرات. هذا التوجه يعكس وعياً بأن التنمية الصناعية لا تكتمل بدون قاعدة تعليمية متقدمة.
البعد الدبلوماسي والجيوسياسي
تطرقت المباحثات إلى ملفات إقليمية ودولية حساسة:
1. ملف غزة وعملية السلام
ثمّن الرئيس الكوري دور مصر في وقف الحرب واستضافة قمة شرم الشيخ، وأعلن دعماً واضحاً لحل الدولتين.
هذا الموقف يعزز مكانة القاهرة كطرف دولي موثوق، ويمنحها دعماً آسيوياً إضافياً في مواجهة محاولات تهميش دورها في ملفات المنطقة.
2. ملف شبه الجزيرة الكورية
استمع السيسي لاستعراض الموقف الكوري إزاء التوترات مع الشمال، وأبدى دعماً لتوجهات سيؤول في الحفاظ على التوازن الإقليمي. هذا التفاعل يمنح مصر فرصة لتعزيز حضورها الدبلوماسي في شرق آسيا، حيث تتمتع الصين وروسيا بنفوذ واضح، بينما لا تزال العلاقات العربية هناك محدودة.
3. التعاون في قضايا الأمن العالمي
تطرق الجانبان لقضايا الإرهاب والأوبئة والمناخ، ما يشير إلى رغبة مشتركة في تحويل العلاقة من مجرد شراكة اقتصادية إلى شراكة استراتيجية شاملة.
هل يسعى السيسي لتوسيع قاعدة الاستثمار والدبلوماسية مع دول آسيا؟
الإجابة، استناداً إلى معطيات الزيارة، هي: نعم، وبوضوح. ويمكن تبرير ذلك بتحليل عدة مسارات:
1. السياسة المصرية تتجه شرقا: تعدد الزيارات والاتفاقيات مع الصين والهند واليابان، والآن كوريا، يشير إلى توجه ممنهج لإعادة رسم خريطة التحالفات الاقتصادية. هذه الدول تمتلك رأس المال والخبرة التكنولوجية، وتبحث عن أسواق مستقرة للتوسع، وهو ما تقدمه مصر.
2. حاجة الاقتصاد المصري لمصادر جديدة للتمويل والتكنولوجيا: في ظل القيود التي فرضها الاقتصاد العالمي وتراجع الاستثمارات الأوروبية بسبب الأزمات الاقتصادية، باتت مصر أكثر ميلاً للبحث عن شركاء من آسيا، حيث النمو الاقتصادي والقدرات التصنيعية الهائلة.
3. تنويع مصادر القوة الدبلوماسية: أصبحت القاهرة تدرك أن بناء شبكة واسعة من العلاقات الممتدة مع آسيا يمنحها دعماً في القضايا الإقليمية، ويقلل اعتمادها على قنوات تقليدية قد تتأثر بالضغوط السياسية.
4. الانسجام مع رؤية “مصر 2030”: الرؤية المصرية تعتمد على التحول الرقمي، التصنيع، التعليم المتقدم، والطاقة النظيفة؛ وجميعها مجالات تتفوق فيها كوريا ودول آسيا.
دلالات التوقيع على مذكرات تفاهم ثقافية وتعليمية
التعاون الثقافي والتعليمي ليس تفصيلاً ثانوياً؛ بل يعدّ إشارة إلى رغبة البلدين في تأسيس علاقة طويلة المدى.
الدول التي تستثمر في الثقافة والتعليم عادة تسعى إلى بناء روابط مستدامة، لا مجرد تبادل مصالح اقتصادي مؤقت.
1. رسالة للداخل المصري: أن السياسة الخارجية تنجح في جذب شراكات قوية في لحظة اقتصادية دقيقة.
2. رسالة للغرب: أن مصر تمتلك بدائل وشركاء آخرين، ولا يمكن تجاوزها أو الضغط عليها دون حسابات.
3. رسالة لآسيا: أن القاهرة ليست فقط بوابة أفريقيا والشرق الأوسط، بل دولة راغبة في لعب دور اقتصادي وتكنولوجي حديث.
استراتيجية مهمة في مسار العلاقات المصرية الآسيوية
تمثل زيارة الرئيس الكوري الجنوبية للقاهرة خطوة استراتيجية مهمة في مسار العلاقات المصرية – الآسيوية. فهي ليست مجرد زيارة بروتوكولية، بل تحمل أبعاداً اقتصادية ودبلوماسية وتعليمية وثقافية عميقة. ومن الواضح أن الرئيس السيسي يعمل على تنويع شركاء مصر الدوليين، مع التركيز على دول شرق آسيا التي تمتلك قدرات تكنولوجية وصناعية هائلة يمكن لمصر الاستفادة منها في تنفيذ خططها التنموية.
وتؤكد مخرجات الزيارة – من الدعوات لزيادة الاستثمارات، وتمويل مشروعات الصناعة الثقيلة، وإقامة جامعات ومدارس، والتنسيق السياسي في القضايا الإقليمية – أن مصر تسعى بجدية للتحول نحو شراكات استراتيجية مع آسيا، مستفيدة من تجاربها التنموية ومن دينامية اقتصاداتها.
وعليه، يمكن القول إن الزيارة تمثل تحولاً نوعياً في العلاقات الثنائية، وتعكس محاولة مصرية واضحة لإعادة رسم خريطة الاستثمار والدبلوماسية باتجاه الشرق، بما يتسق مع مصالح الدولة وأولوياتها في العقد المقبل.







