تعكس تصريحات الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، ملامح مرحلة جديدة في السياسة الخارجية الإماراتية، تقوم على مبدأ «الاستقلال الاستراتيجي» وتوازن دقيق بين الدبلوماسية الفاعلة والانخراط الاقتصادي العالمي. فالإمارات، كما يوضح قرقاش، لا تتحرك كفاعل منفرد في إقليم مضطرب، بل كجزء من شبكة شراكات خليجية وعربية ودولية، تسعى لتخفيف التوترات الإقليمية عبر مقاربة جماعية تعطي الأولوية للاستقرار والتنمية على حساب الصدامات والصراعات.
في هذا الإطار، تبدو أبوظبي مصممة على مواصلة ما تسميه «دبلوماسية خفض التصعيد»، وهي المقاربة التي أثبتت فعاليتها خلال العامين الماضيين في ملفات حساسة، من اليمن إلى إيران، ومن سوريا إلى فلسطين. ويصف قرقاش هذه المرحلة بأنها جاءت بعد «زلزال استراتيجي» أصاب المنطقة، في إشارة إلى التحولات التي أعقبت حرب غزة الأخيرة، وتراجع مظلة الردع الأميركية، وتزايد الانخراط الإقليمي في ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة. من هنا، فإن الرهان الإماراتي ينصبّ على ترسيخ بيئة مستقرة تعزز النمو الاقتصادي وتتيح للإقليم التحول نحو التنمية المستدامة، مع الحفاظ على مسافة تتيح التفاهم مع القوى الكبرى دون الارتهان لأي منها.
مراجعة شاملة للمنظومة الأمنية الخليجية
وفي ما يتصل بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، أعاد قرقاش تأكيد الموقف الإماراتي الواضح: حل الدولتين هو الخيار الوحيد الممكن لإنهاء الصراع، ودعم قيام دولة فلسطينية مستقلة يمثل «ثابتاً مركزياً» في السياسة الإماراتية. هذا التأكيد لا يعكس مجرد موقف مبدئي، بل يأتي في سياق رؤية أوسع تهدف إلى معالجة جذور التوتر في المنطقة، وربط التسويات السياسية بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. ومن خلال هذا الخط، تحاول أبوظبي الموازنة بين علاقاتها المتنامية مع إسرائيل في ظل «اتفاقات إبراهيم»، وبين التزامها التاريخي بحقوق الشعب الفلسطيني، في ما يشكل معادلة صعبة لكنها ضرورية لاحتواء التوترات الإقليمية.
أما على صعيد أمن الخليج، فقد دعا قرقاش إلى «مراجعة شاملة» للمنظومة الأمنية الخليجية، وبناء إطار إقليمي أكثر فاعلية في ظلّ المستجدات. فالهجوم الذي طال قطر، كما أشار، لا يُعدّ استهدافاً لدولة بعينها، بل مؤشراً على هشاشة المفهوم التقليدي للأمن الجماعي الخليجي. هذا الطرح يعكس إدراكاً إماراتياً بأن حماية الأمن الخليجي لم تعد تتحقق عبر مظلات الحماية الخارجية، بل عبر تطوير آليات تنسيق داخلية وتفاهمات مع القوى الإقليمية، وفي مقدمتها إيران وتركيا، على أسس المصالح المشتركة واحترام السيادة.
تعزيز العلاقات مع القوى الآسيوية الكبرى
ويتكامل هذا البعد الأمني مع رؤية اقتصادية تتصدر أولويات السياسة الخارجية الإماراتية. فقرقاش يضع «الاقتصاد والتنافسية» في قلب العمل الدبلوماسي، حيث لم تعد الدبلوماسية مجرد أداة لتسوية النزاعات، بل وسيلة لخلق الفرص التجارية والاستثمارية. هذا النهج يتجلى في التحول من دور «المستثمر» إلى «الشريك» ثم «المشارك»، بما يعكس سعي الدولة لتكامل بين الاقتصاد والتكنولوجيا والسياسة في منظومة واحدة. كما أن الإمارات، وفق قرقاش، باتت منصة لاستقطاب العقول ورواد الأعمال، وهو ما يتسق مع رؤيتها للتحول إلى مركز عالمي للابتكار والتكنولوجيا المتقدمة.
ويستند هذا التوجه إلى ما يسميه قرقاش بـ«الاستقلال الاستراتيجي»، وهو مفهوم تتبناه القيادة الإماراتية بقيادة الشيخ محمد بن زايد، ويعني انتهاج سياسة خارجية قائمة على مدّ الجسور وتعدد الشراكات دون الانخراط في محاور متصارعة. ويتضح ذلك في تعزيز العلاقات مع القوى الآسيوية الكبرى مثل الصين والهند، بالتوازي مع توسيع الاستثمارات في القارة الأفريقية، وهو ما يكرّس موقع الإمارات لاعباً محورياً في معادلة الجنوب العالمي الصاعد.
في المقابل، لا تغفل أبوظبي الجانب الإنساني من سياستها الخارجية، إذ أكد قرقاش أن الدور الإنساني الإماراتي سيزداد في المرحلة المقبلة، سواء في غزة أو السودان. فالإمارات، كما قال، لا تنظر إلى العمل الإنساني كأداة دعائية، بل كجزء من التزام أخلاقي واستراتيجي يهدف إلى استقرار البيئات المتأزمة. وقد باتت هذه المقاربة جزءاً من قوتها الناعمة، التي تتيح لها ممارسة تأثير فعّال في مناطق الأزمات من دون الانخراط العسكري المباشر.
بناء علاقات سياسية متوازنة
أما في الشق الداخلي، فقد جاءت تصريحات وزير شؤون مجلس الوزراء محمد القرقاوي لتكمل الصورة، إذ أوضح أن الإمارات تواجه عالم اليوم بخمسة ثوابت استراتيجية: الانفتاح الاقتصادي، والعلاقات السياسية المتوازنة، والمرونة الحكومية، والتكنولوجيا المحركة للتنمية، والإنسان محور التنمية. هذه الثوابت تمثل خارطة طريق لمشروع «نحن الإمارات 2031»، الذي يهدف إلى جعل الدولة ضمن المراتب الأولى عالمياً في مختلف مؤشرات التنافسية. الأرقام التي عرضها القرقاوي تثبت التقدم المحرز: المركز الخامس عالمياً في تصنيف IMD، تدفقات استثمارية أجنبية تتجاوز 167 مليار درهم، ومعدل نمو متوقع يصل إلى 4.8 في المائة في 2025.
هذه المؤشرات لا تعكس فقط نجاح السياسات الاقتصادية، بل أيضاً قدرة الدولة على تحويل الرؤية السياسية إلى نتائج ملموسة. فالتكامل بين الأداء الحكومي والاستراتيجية الدبلوماسية هو ما يمنح الإمارات موقعها المميز في النظام الدولي الجديد، القائم على مرونة التحالفات وتبدل موازين القوى. ويظهر ذلك في حضورها المؤثر في ملفات الطاقة النظيفة، والصناعة المتقدمة، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، كما شرح وزراء الصناعة والاقتصاد والذكاء الاصطناعي خلال المؤتمر.
تقدم الإمارات نموذجاً مغايراً في إدارة علاقاتها الإقليمية والدولية، يقوم على مبدأ الهدوء الفاعل لا الصخب التصادمي، وعلى تحويل الدبلوماسية إلى أداة للنمو لا مجرد رد فعل للأزمات. فبين دبلوماسية التهدئة، واستراتيجية الاستقلال، والاقتصاد القائم على التنافسية، تتبلور ملامح «الجيل الثاني» من السياسة الإماراتية: سياسة توازن بين البراغماتية والقيم، وتبحث عن الاستقرار لا كغاية بحد ذاتها، بل كشرط ضروري لاستدامة التنمية وتعزيز مكانة الدولة في عالم متغير.






