أعلنت وزارة الخارجية السورية، الثلاثاء، أن دمشق تعمل بالتنسيق مع الولايات المتحدة والأردن على تنفيذ خريطة طريق جديدة تخص محافظة السويداء، تتضمن تفاهمات أمنية مع إسرائيل حول الجنوب السوري. وجاء في بيان الوزارة أن الخطة تهدف إلى “معالجة الشواغل الأمنية المشروعة لكل من سوريا وإسرائيل”، مع التشديد في الوقت ذاته على احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها. ووصفت الخارجية السورية خارطة الطريق بأنها “بناءة وعملية”، معتبرة أنها تضع أسساً شاملة لتجاوز الأزمة في المحافظة، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة احتجاجات واضطرابات ذات طابع سياسي واقتصادي واجتماعي.
خطوات تنفيذية على الأرض
تتضمن الخطة، بحسب البيان، سحب جميع المقاتلين المدنيين من محيط السويداء الحدودي واستبدالهم بعناصر نظامية “منضبطة”، إلى جانب إطلاق مشروع وطني يركّز على تعزيز قيم الوحدة والتعددية والمساواة بين المواطنين. كما تنص على تشكيل قوة شرطة محلية تضم ممثلين عن مختلف المكونات الاجتماعية، على أن تكون القيادة لشخصية بارزة من أبناء المحافظة بهدف ضمان القبول المحلي. وتشمل البنود أيضاً تشكيل مجلس محافظة موسع يجمع أطياف المجتمع كافة، ويُعهد إليه بدور محوري في تحقيق المصالحة الوطنية. هذه الخطوات تعكس محاولة لخلق نموذج حكم محلي يوازن بين سيادة الدولة ومتطلبات الخصوصية المجتمعية.
دعم إقليمي ودولي
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أعلن، خلال مؤتمر صحفي في دمشق شارك فيه نظيره الأردني أيمن الصفدي والمبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم براك، أن الاتفاق يمثل “خريطة طريق واضحة” جاءت بدعم مباشر من واشنطن وعمان. بالنسبة للأردن، الذي يتشارك حدوداً طويلة مع محافظة السويداء، فإن الانخراط في هذه الخطة يعكس هواجس أمنية متزايدة ورغبة في تجنب تداعيات الفوضى على أراضيه. أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن دعمها يندرج ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى احتواء النفوذ الإيراني والروسي في الجنوب السوري، وفي الوقت نفسه طمأنة إسرائيل إزاء أي تهديدات عبر الحدود.
البعد الإسرائيلي في المعادلة
أحد أكثر جوانب الاتفاق حساسية هو إدخال إسرائيل بشكل مباشر في معادلة الجنوب السوري. فلطالما اعتبرت تل أبيب أن وجود مجموعات مسلحة مرتبطة بإيران وحزب الله على مقربة من حدودها يشكل تهديداً استراتيجياً. الجديد هذه المرة أن دمشق، ولأول مرة بشكل علني، تقر بوجود تفاهمات أمنية تُبحث مع إسرائيل عبر وساطة أمريكية. هذا التطور يعكس تحولاً براغماتياً في موقف النظام السوري، الذي وجد نفسه مضطراً للتعامل مع الواقع الميداني والسياسي، خصوصاً أن تثبيت الاستقرار في الجنوب لم يعد ممكناً من دون مراعاة الحسابات الإسرائيلية.
قراءة أوسع: السويداء كنموذج سياسي
يرى محللون أن خريطة الطريق للسويداء تمثل أكثر من مجرد خطة محلية، فهي تحمل دلالات استراتيجية حول مستقبل سوريا في مرحلة ما بعد الحرب. فبالنسبة لدمشق، قد يشكل نجاح الخطة نموذجاً يمكن تعميمه على مناطق أخرى مضطربة، كما يمنحها فرصة لفتح قناة حوار غير مباشرة مع الغرب عبر ملف أمني. بالنسبة لواشنطن، فإن الاتفاق يختبر إمكانية صياغة مقاربة تدريجية لإعادة دمج سوريا في النظام الإقليمي من دون تقديم تنازلات سياسية كبرى. أما إسرائيل، فهي المستفيد الأول من أي ترتيبات تقلّص نفوذ خصومها على حدودها الشمالية.
ومع ذلك، لا تخلو الخطة من تحديات. فثمة شكوك داخلية عميقة تجاه أي دور أمريكي–إسرائيلي، كما أن التباين بين أولويات دمشق وحلفائها في طهران وموسكو قد يعقّد التنفيذ. وإذا ما نجحت الخطة، فقد تتحول السويداء إلى بوابة لمرحلة جديدة من البراغماتية السورية، حيث يجري استبدال خطاب المواجهة التقليدي بتفاهمات أمنية واقعية تتيح للنظام السوري تعزيز موقعه وإعادة تعريف علاقاته الإقليمية والدولية.







