جاءت تصريحات رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني في توقيت بالغ الحساسية إقليمياً، لتعكس مقاربة سياسية تتسم بالواقعية والتوازن الحذر، في ظل ما يشهده العراق والمنطقة من تصعيد أمني وتوترات جيوسياسية متداخلة، خصوصاً على خلفية الحرب الإسرائيلية في غزة وتصاعد التوتر بين محاور النفوذ في الشرق الأوسط.
إحدى النقاط الجوهرية التي شدد عليها السوداني تمثلت في التنسيق الأمني المتنامي مع الحكومة السورية، وهو ما يعكس تحوّلاً تدريجياً في تموضع بغداد تجاه دمشق، من موقع الحذر التقليدي إلى الانخراط الوظيفي القائم على المصالح المشتركة. فقد أشار السوداني بوضوح إلى وجود “عدو مشترك”، في إشارة إلى تنظيم “داعش” الذي ما زال يحتفظ بجيوب ناشطة في الأراضي السورية ويستفيد من الهشاشة الأمنية في بعض المناطق الحدودية. هذا التنسيق يُقرأ في سياق أوسع من إعادة تموضع إقليمي تسعى فيه بغداد إلى لعب دور مركزي لا يقتصر فقط على الداخل العراقي، بل يتجاوزه إلى الإقليم، عبر رسم سياسة أمنية متداخلة مع دول الجوار.
صعود الجماعات المسلحة
لكن اللافت أيضاً في حديث السوداني هو نبرة التحذير المبطنة التي وجهها للقيادة السورية، مستنداً إلى تجربة العراق بعد 2003. فالإشارة إلى ضرورة تجنّب أخطاء ما بعد سقوط صدام حسين – خصوصاً الفراغ الأمني وصعود الجماعات المسلحة – ليست مجرد نصيحة، بل تعكس وعياً عميقاً بالمخاطر الكامنة في تجاهل متطلبات العملية السياسية الشاملة، خاصة في المجتمعات المنقسمة طائفياً وإثنياً. ويأتي هذا التنبيه في إطار دعوة غير مباشرة للنظام السوري للانفتاح على كل مكونات الشعب السوري، بما يجنّب البلاد دوامة جديدة من العنف والتطرف.
على المستوى الإقليمي، أظهر السوداني حرص العراق على تجنّب الانزلاق في أي صراع مباشر أو غير مباشر مرتبط بالحرب في غزة، مؤكداً أن الحكومة العراقية أحبطت ما لا يقل عن 29 محاولة من جماعات مسلحة لإطلاق هجمات باتجاه إسرائيل أو القواعد الأميركية داخل العراق. هذا الرقم، وإن كشف عن مدى التحديات الأمنية الداخلية، إلا أنه في الوقت ذاته يبرز قدرة الدولة العراقية على الإمساك بزمام المبادرة وضبط التوازن بين مكوناتها السياسية، بما يحول دون تحول العراق إلى ساحة حرب بالوكالة.
حماية السيادة العراقية
في هذا السياق، تتضح أولويات السوداني في حماية السيادة العراقية من جهة، وفي تجنيب بلاده تبعات التوترات الإقليمية من جهة أخرى، لا سيما تلك التي قد تستجلب رداً عسكرياً إسرائيلياً أو أميركياً يمكن أن يقوّض الاستقرار الهشّ في الداخل. ومن هذا المنطلق، تبرز دعوته الصريحة لعدم إعطاء “مبررات” لأي طرف خارجي لاستهداف العراق، كإشارة إلى نضج سياسي يحاول إعادة رسم معادلات النفوذ داخل الدولة العراقية.
أما في ما يتعلق بالوجود الأميركي، فقد أوضح السوداني بجلاء أن المرحلة الأولى من انسحاب قوات التحالف ستكتمل في سبتمبر المقبل، وأن العراق والولايات المتحدة بصدد الدخول في مفاوضات بشأن صياغة “علاقة أمنية ثنائية جديدة”. هذا التحول لا يعبّر فقط عن تغيير في مستوى العلاقات العسكرية، بل يشير إلى رغبة في بناء علاقة متوازنة تتجاوز الطابع الأمني التقليدي، لتشمل شراكات اقتصادية واستثمارية، خاصة في مجالات النفط، الغاز، والذكاء الاصطناعي.
تحقيق توافق داخلي
واللافت أن السوداني يربط بين الاستثمارات الأميركية وبين الاستقرار الإقليمي، في محاولة لإقناع واشنطن بأن مصالحها في العراق لم تعد تُختزل في البعد العسكري، بل تمتد إلى قطاعات تنموية واستراتيجية تساهم في ترسيخ الاستقرار وتخفيف الحاجة إلى التدخلات الأمنية المكلفة. وهذا الخطاب يعكس فهماً متقدماً لدينامية العلاقات مع الولايات المتحدة، يتجاوز السردية التقليدية التي اختزلت واشنطن في صورة المحتل أو الحليف الأمني فقط.
تبدو رؤية السوداني في هذه المرحلة محاولة لبناء سياسة متوازنة في بيئة إقليمية غير مستقرة، قائمة على تطويق الصراعات بدلاً من الانخراط فيها، وتثبيت السيادة العراقية عبر إعادة هيكلة العلاقات الأمنية داخلياً وخارجياً. لكنه، في المقابل، يواجه تحديات جدّية، أبرزها قدرة الدولة العراقية على ضبط الجماعات المسلحة الخارجة عن سلطة الحكومة، وتحقيق توافق داخلي حول مستقبل الوجود الأجنبي، بما في ذلك تحديد هوية الدولة العراقية في مرحلة ما بعد التحالف الدولي.






