يشير ما جاء على لسان رئيس الوزراء الفلسطيني د. محمد مصطفى، خلال مؤتمره الصحفي، إلى حجم المأساة غير المسبوقة التي يعيشها قطاع غزة، في ظل حرب مستمرة منذ أكثر من تسعة أشهر، طالت المدنيين بشكل مباشر، وخلّفت حتى الآن وفق الإحصاءات الرسمية أكثر من 18 ألف طفل شهيد، و10 آلاف امرأة، وهو رقم يكشف عن طابع النزاع الذي تحوّل من مواجهة عسكرية إلى كارثة إنسانية متفاقمة تستهدف الفئات الأضعف من السكان.
الحرمان من الغذاء
الأرقام التي ذكرها مصطفى، تعززها تحذيرات جديدة أطلقها برنامج الأغذية العالمي، الذي أكد أن غزة دخلت مرحلة “غير مسبوقة من التدهور الإنساني”، مشيرًا إلى أن هناك نحو 90 ألف طفل وامرأة يعانون من سوء تغذية حاد، وأن ثلث السكان يُحرمون من الطعام لأيام متتالية. هذه المعطيات لا تعكس فقط عجزًا في الاستجابة الدولية، بل تُظهر انهيارًا كاملاً في سلاسل الإمداد وغيابًا لأي حماية إنسانية للفئات المتضررة.
الهجوم الأخير الذي شنّته قوات الاحتلال الإسرائيلي على الفلسطينيين أثناء انتظارهم للحصول على مساعدات غذائية، بحسب البيان الصادر عن برنامج الأغذية العالمي، يمثّل ذروة هذا الانهيار، إذ لم يعد مجرد الحرمان من الغذاء هو المشكلة، بل أصبح الوصول إلى المساعدات نفسها سببًا في وقوع مجازر جديدة. الاعتداءات المتكررة على نقاط توزيع المساعدات تفنّد الادعاءات الإسرائيلية بشأن السماح بدخول القوافل الإغاثية، وتكشف تناقضًا صارخًا بين التصريحات السياسية والممارسات الميدانية.
البرنامج الأممي عبّر بوضوح عن خيبة أمله من عدم احترام التعهدات السابقة، وشدد على ضرورة وقف فوري لإطلاق النار وضمان وصول الإغاثة بشكل آمن ومنتظم، باعتبار أن ذلك يشكّل الحد الأدنى من الإجراءات الضرورية لاحتواء الكارثة. كما شدد على التمسك بمبادئ العمل الإنساني، التي تتعرض فعليًا للتهديد في كل مرة يُستهدف فيها المدنيون أو العاملون في مجال الإغاثة.
جرائم الحرب
ما يجري في غزة لم يعد مجرد أزمة طارئة أو كارثة طبيعية يمكن التعامل معها بوسائل الإغاثة التقليدية، بل تحوّل إلى نموذج واضح لحصار ممنهج وتجويع جماعي قد يرقى إلى مستوى جرائم الحرب. الأرقام المتداولة، سواء من المؤسسات الفلسطينية أو الدولية، تضع العالم أمام مسؤولية مباشرة في ظل عجز مستمر عن اتخاذ إجراءات فعلية لوقف الكارثة، الأمر الذي يطرح أسئلة صعبة حول مصداقية النظام الدولي الإنساني، وحدود فاعلية القانون في زمن تُرتكب فيه الانتهاكات على مرأى ومسمع الجميع دون مساءلة.
تبدو غزة اليوم محاصرة من كل الجهات: من الجو والبر، ومن صمت المجتمع الدولي، ومن التجاذبات السياسية التي تستغل معاناة المدنيين، بينما تواصل أجساد الأطفال والنساء دفع الثمن، في وقت يُستنزف فيه كل ما تبقى من قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود.







