شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون، على أن «التحديات الراهنة في المنطقة لا تواجَه إلا بوحدتنا»، مؤكّدًا أن «الاستنجاد بالخارج ضد الآخر في الداخل أمر غير مقبول وأضرّ بالوطن».
وأضاف: «علينا أن نتعلم من تجارب الماضي ونستخلص عبره، فالانقسام الداخلي لم يجلب للبنان سوى الأزمات».
دعوة إلى الثقة والإصلاح
خلال استقباله وفدًا طلابيًا من المؤسسة المارونية للانتشار، وآخر من جمعية «بيروت منارتي»، أوضح عون أن حكومته تسعى إلى «بناء الثقة بين الشعب اللبناني والدولة، وكذلك بين الدولة والخارج»، مشيرًا إلى أن الهدف هو «وضع الدولة على السكة الصحيحة».
وتحدث الرئيس عن خطوات إصلاحية بدأت منذ نيل الحكومة ثقة المجلس النيابي، تشمل محاربة الفساد، وتوطيد استقلالية القضاء، والإصلاح المصرفي، ورفع السرية المصرفية، إلى جانب الدفع نحو إصلاح اقتصادي شامل.
في سياق متصل، يصل الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى بيروت، اليوم الأربعاء، في زيارة وُصفت بـ«المثيرة للأسئلة» حول توقيتها وأهدافها.
تلك الزيارة تأتي بعد تصريحات لمسؤولين إيرانيين جدّدوا فيها مواقف طهران الداعمة لـ«حزب الله» وسلاحه، وهو ما اعتبره بعض السياسيين اللبنانيين استمرارًا لـ«سياسة التدخل» في الشؤون الداخلية للبنان.
اعتراضات وتحذيرات
قبل وصول لاريجاني، صدرت مواقف لبنانية معترضة على الزيارة، محذرة من أن «أي تدخل خارجي، مهما كان مصدره، سيزيد من الانقسام الداخلي ويعقّد المشهد السياسي».
وشددت بعض القوى على ضرورة أن «يحافظ لبنان على استقلالية قراره وسيادته»، فيما رأى آخرون أن «توقيت الزيارة قد يكون مرتبطًا بترتيبات إقليمية في ظل التصعيد الحاصل بين إيران وإسرائيل».
وتأتي زيارة المسؤول الإيراني في وقت يواجه فيه لبنان أزمة اقتصادية ومالية خانقة، وسط تعثر المفاوضات مع المؤسسات الدولية وصعوبة تنفيذ الإصلاحات المطلوبة. ويرى مراقبون أن أي تحركات خارجية في هذا التوقيت قد تحمل رسائل مزدوجة، سياسية واقتصادية، خصوصًا أن إيران تحاول تعزيز حضورها في الساحة اللبنانية في ظل تنافس إقليمي متزايد.
المرحلة المقبلة.. اختبار للوحدة
في ظل هذه التطورات، تبدو الساحة اللبنانية أمام اختبار جديد لوحدتها الداخلية. فبين دعوة الرئيس عون لنبذ الاستقواء بالخارج والعمل المشترك، وبين تحركات إقليمية تحمل أبعادًا سياسية معقدة، يترقب الشارع اللبناني ما ستؤول إليه الأيام المقبلة، خاصة أن المشهد الداخلي لا يحتمل مزيدًا من الانقسامات.
وتأتي زيارة لاريجاني إلى بيروت في ظل مناخ إقليمي متوتر، خاصة بعد عودة لغة التهديد بين إيران وإسرائيل، وما رافقها من مناورات عسكرية واستنفار على أكثر من جبهة. ويرى محللون أن طهران تسعى من خلال هذه الزيارة إلى طمأنة حلفائها في لبنان، وإظهار قدرتها على التحرك الدبلوماسي رغم الضغوط الخارجية.
وظل ملف سلاح «حزب الله» محورًا أساسيًا في السجال السياسي اللبناني، ويُتوقع أن يكون حاضرًا بقوة في محادثات لاريجاني مع القيادات اللبنانية. فبينما يعتبر الحزب السلاح جزءًا من معادلة الردع ضد إسرائيل، يرى معارضوه أنه يمثل عقبة أمام سيادة الدولة ويجرّ لبنان إلى صراعات إقليمية لا طاقة له بها.
ويواجه الوضع الداخلي اللبناني تحديًا كبيرًا في التوفيق بين مكونات سياسية ذات ارتباطات إقليمية متباينة. زيارة شخصية رفيعة من إيران قد تزيد من حدة الاستقطاب بين معسكرين؛ الأول يعتبر إيران شريكًا استراتيجيًا، والثاني يرى في نفوذها تهديدًا لاستقلال لبنان وحياده.
الموقف الدولي من الزيارة
مصادر دبلوماسية غربية تشير إلى أن الزيارة تخضع لرقابة دقيقة من قبل عواصم مؤثرة، خصوصًا واشنطن وباريس، اللتين تتابعان عن كثب أي تحركات إيرانية في لبنان. ويُتوقع أن تؤثر مخرجات الزيارة على مسار المساعدات الدولية للبنان، التي غالبًا ما ترتبط بمدى التزامه بسياسة النأي بالنفس.
في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة وانسداد الأفق السياسي، يجد لبنان نفسه أمام معادلة صعبة: الانفتاح على شركاء دوليين جدد بمن فيهم إيران، أو الالتزام بمسار إصلاحي ينسجم مع شروط المجتمع الدولي والمؤسسات المالية.
وسيحدد هذا الخيار مستقبل البلاد خلال المرحلة المقبلة، بين تعزيز الاستقلالية أو الانزلاق إلى محور إقليمي محدد.







