تشكّل عملية اغتيال القيادي البارز في حزب الله، هيثم الطبطبائي، محطة بالغة الحساسية في مسار المواجهة بين الحزب وإسرائيل، ليس فقط لأن المستهدف شخصية عسكرية رفيعة المستوى، بل لأن العملية جاءت في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل الحزب، وفي توقيت سياسي دقيق على مستوى الداخل اللبناني والإقليمي. ورغم أن إسرائيل اعتادت توجيه ضربات مركزة في سوريا ولبنان خلال الأعوام الماضية، فإن الاغتيال الأخير ينتمي إلى سياق مختلف يعبّر عن رغبة تل أبيب في تدشين مرحلة تصعيدية جديدة، من دون الوصول بالضرورة إلى حرب شاملة. هذا الحدث حرّك أسئلة ملحّة حول مستقبل المواجهة وكيفية استجابة حزب الله، وما إذا كان الاغتيال يشكل بالفعل بداية مسار جديد أم أنّه جزء من لعبة “العضّ على الأصابع” التي تحكم الحدود الشمالية منذ أعوام.
حزب الله وخيار الحرب الشاملة
ترى التحليلات الإسرائيلية، كما يوضح الخبير مهند مصطفى، أن اغتيال الطبطبائي لا ينبغي النظر إليه بوصفه ضربة لشخص بحد ذاته، بل باعتباره ذريعة أو بوابة لرفع منسوب العمليات العسكرية، في ظل رغبة تل أبيب بالانتقال إلى مرحلة أكثر هجومية. وترى إسرائيل، بحسب تقديرات عديدة، أنها تمرّ بلحظة قوة نادرة: حزب الله يوازن بين الانخراط في التصعيد وبين حسابات داخلية معقّدة، الجبهة السورية مشغولة بمعادلات مختلفة، وإيران نفسها تواجه ضغوطاً وملفات مفتوحة تجعل خيار الحرب الشاملة مكلفاً جداً. هذه اللحظة تسمح لإسرائيل بالتقدّم خطوة فخطوة، عبر ضربات نوعية محسوبة، دون تجاوز العتبة التي تستدعي ردّاً كبيراً من الحزب.
لكن على الجانب المقابل، لا تبدو الصورة بهذه البساطة. فحزب الله وإن كان في وضع داخلي دقيق، بحيث لا يريد الانجرار إلى حرب مفتوحة ستضاعف أزماته السياسية والاقتصادية، فإنه في الوقت ذاته لا يستطيع ترك الاغتيالات تمرّ دون حدّ أدنى من الردع. فالحزب بنى طوال عقود سرديته على معادلة “الردع المتبادل”، والتي هي جزء من شرعيته أمام جمهوره وأمام إيران أيضاً التي ترى في الحزب ذراعاً متقدمة ضمن محور المقاومة. ولذلك، فإن اغتيالاً في هذا المستوى يحرج الحزب بشكل كبير: الردّ الشامل قد يفتح الباب لحرب واسعة، والسكوت الكامل يضرب صورة الحزب، ويُظهر إسرائيل كقوة تتحرك بلا قيود.
من هنا، يصبح السؤال: ما السيناريو الأكثر ترجيحاً؟ هل نحن أمام مواجهة واسعة، أم أمام تقنية “التصعيد المتدرّج” التي تتقنها إسرائيل وتتعامل معها المقاومة بحذر؟
هل يأتي الرد على إسرائيل من خارج لبنان؟
وفق ما يقوله حبيب فياض، الباحث السياسي اللبناني، فإن حزب الله يدير الملف على مستويين متوازيين: الأول علني قائم على ضبط النفس، والثاني يجري خلف الكواليس بإعداد بنى تحتية واستعدادات لردّ من نوع مختلف. وهو ما يعني أن الحزب لا يرغب في ربط رده بحسابات انفعالية، بل بحسابات استراتيجية؛ أي أن الرد قد لا يأتي فوراً، وقد لا يكون متماثلاً، لكنه مرتبط بما تراه القيادة فرصة مناسبة. هذه المقاربة سبق أن اتّبعها الحزب في حالات مماثلة، مثل الرد على اغتيال قادته في سوريا عبر عمليات محدودة، أو الانتظار لسنوات للرد على اغتيال عماد مغنية، ضمن معادلة “الوقت المناسب”.
لكن فياض يشدد على نقطة محورية: الحزب لن يذهب إلى مواجهة شاملة إلا إذا شنت إسرائيل حرباً مفتوحة على لبنان، شبيهة بالحرب على إيران، أو إذا حاولت تغيير قواعد الاشتباك جذرياً. بمعنى آخر، اغتيال الطبطبائي وحده لا يشكل سبباً كافياً لانفجار كبير، لكنه يرفع منسوب التوتر، ويؤسس لساحة مفتوحة لإجراءات محسوبة من الطرفين.
ترجح معظم القراءات أن الحزب قد يلجأ إلى ردّ محدود، ربما عبر استهداف مواقع عسكرية إسرائيلية في الشمال، أو تفعيل بعض الأدوات الميدانية كالمسيّرات أو الصواريخ المضادة للدروع. وقد يأتي الرد من خارج لبنان، عبر عمليات محسوبة في سوريا أو حتى البحر، بما يتيح للحزب الحفاظ على مبدأ الردع دون جرّ لبنان إلى حرب واسعة. هذا النوع من الردود استخدمه الحزب سابقاً حين أراد إرسال رسالة دون تغيير قواعد الاشتباك.
سيناريوهات محتملة
في المقابل، تسعى إسرائيل، بحسب ما يقوله مهند مصطفى، إلى استغلال الوضع الداخلي اللبناني والضغوط الاقتصادية التي يمر بها البلد، لتأكيد أنها قادرة على التحرك دون تكلفة كبيرة. وتضع تل أبيب، وفق رؤيتها، ثلاثة سيناريوهات محتملة: استمرار الوضع القائم مع ضربات موضعية، أو شن عمليات برية محدودة داخل الجنوب، أو الذهاب نحو صدام أوسع. الخيار الثاني يبدو الأكثر قرباً من الحسابات الإسرائيلية، إذ يسمح بإنجاز ميداني يمكن بيعه انتخابياً لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، دون كلفة سياسية أو اقتصادية كبيرة كتلك التي تتطلبها الحرب الشاملة.
ومن المؤشرات على نية إسرائيل اختبار حدود التصعيد، فتح الملاجئ في المستوطنات الشمالية، وإعلان الجيش حالة تأهب، وبدء مناورات تحاكي سيناريو الحرب. هذه الخطوات تحمل رسالتين: الأولى للحزب بأن إسرائيل مستعدة لرد محتمل، والثانية للداخل الإسرائيلي بأن الحكومة تمسك بزمام الأمور. لكنها أيضاً تحمل مخاطر، إذ إن أي خطأ في الحسابات قد يدفع الطرفين إلى مواجهة أكبر من المتوقع.
هل تشعل حرب لبنان المنطقة؟
على المستوى السياسي الداخلي في لبنان، هناك عنصر إضافي يتمثل في مبادرة قائد الجيش اللبناني جوزيف عون للدخول في مفاوضات لترسيم الحدود أو تسوية ما برعاية أميركية. هذه الخطوة أربكت إسرائيل لأنها تميل دائماً إلى إبقاء الملف في دائرة التوتر العسكري لا التفاهم السياسي. وهي خطوة أيضاً ذات حساسية داخلية، كونها تفتح نقاشاً حول مستقبل الجنوب ودور المقاومة. هذا يعني أن الداخل اللبناني نفسه يعكس لحظة معقدة، تجعل أي ردّ من الحزب يجب أن يراعي التوازنات الداخلية، بدل أن يكون محكوماً فقط بمعادلات محور المقاومة.
من جهة أخرى، فإن الولايات المتحدة تلعب دوراً مهماً في تحديد حدود التصعيد. فواشنطن، رغم دعمها لإسرائيل، لا ترغب في حرب واسعة في لبنان قد تشعل المنطقة، خصوصاً أنها تخوض صراعاً مفتوحاً مع إيران على ملفات أكبر. هذا الموقف يجعل إسرائيل تتحرك ضمن هامش محدود، فالحرب الشاملة تحتاج “ضوءاً أخضر” أميركياً، وهو غير متوفر حالياً وفق تقديرات المهند مصطفى. لذلك، تبقى الضربات النوعية هي الوسيلة الأكثر واقعية لتل أبيب.
في ضوء هذه المعطيات المتداخلة—الإسرائيلية واللبنانية والإقليمية—يمكن القول إن السيناريو الأقرب هو استمرار التصعيد المتدرّج: ضربات إسرائيلية مركّزة، يقابلها حزب الله بسياسة “الصبر الاستراتيجي” مع استعداد لردود محسوبة. الحرب الشاملة ليست مطروحة على المدى القريب، لكنها ليست مستبعدة بالكامل على المدى المتوسط، ولا سيما إذا احتاج نتنياهو إلى إنجاز عسكري كبير أو إذا قررت إسرائيل أن “الردع الحالي لم يعد كافياً”.
تقليص نفوذ حزب الله
أما هل يرد حزب الله قريباً؟ فالإجابة المعقولة هي: نعم، ولكن ليس بالضرورة بالأسلوب أو في التوقيت الذي تتوقعه إسرائيل أو الرأي العام. فالحزب يريد ردّاً يحفظ معادلة الردع، من دون الانزلاق إلى مواجهة لا يملك لبنان قدرة تحمّلها. وقد يكون الرد مستتراً أو غير مباشر، وقد يتأجل، لكنه في النهاية قائم لأن الحزب لا يستطيع كسر قاعدة رسّخها منذ 2006: “الدم بالدم”.
يبدو لبنان واقفاً على حافة خط دقيق بين الحرب والتصعيد المحسوب. الاغتيال الأخير فتح الباب واسعاً أمام أسئلة كبرى حول المسار المقبل، لكنه لم يحسم الاتجاه. إسرائيل تراهن على لحظة الضعف اللبنانية لتقليص نفوذ حزب الله، والحزب يراهن على ضبط النفس من موقع القوة لا الضعف. وفي ظل غياب القدرة على الحسم لدى الطرفين، يبقى المشهد محكوماً بقواعد اشتباك مرنة قابلة للتوسع، وربما للانفجار، إذا ما أخطأ أحد الطرفين في حساب المسافة بين الخطوة المحسوبة والخطوة التي لا يمكن التراجع عنها.







