انطلاق مناورات التمرين الجوي المختلط «مركز الحرب الجوي الصاروخي (ATLC-35)» بين القوات الجوية الملكية السعودية ونظيرتها الإماراتية، بمشاركة دول شقيقة وصديقة، لا يمكن قراءته كحدث تدريبي روتيني فقط، بل كرسالة استراتيجية متعددة المستويات تأتي في لحظة إقليمية دقيقة تشهد فيها المنطقة تحولات أمنية وسياسية متسارعة. فالمناورات في جوهرها جزء من منظومة توازن القوى وإعادة رسم معادلات الردع والتنسيق العسكري بين القوى العربية، في ظل ما تمر به المنطقة من تحديات تتعلق بأمن الملاحة، والتطورات في الخليج والبحر الأحمر، والتهديدات العابرة للحدود، والتنافس الدولي على النفوذ في الشرق الأوسط.
مواجهة أي تهديد محتمل
من الناحية العسكرية، يمثل تمرين «ATLC-35» أحد أكثر التمارين الجوية تطوراً على مستوى المنطقة، إذ يجمع بين محاكاة العمليات القتالية الحديثة، وتكامل القوات الجوية والدفاع الجوي، والتدريب على سيناريوهات حقيقية تشمل الهجوم والدفاع، والتعامل مع الأهداف الجوية المعقدة في بيئة حرب إلكترونية وصاروخية متطورة. مشاركة القوات الجوية الملكية السعودية بطائرات «تورنيدو» ذات القدرة العالية على تنفيذ المهام الهجومية والدفاعية، تعكس رغبة المملكة في تعزيز جاهزيتها العملياتية ضمن منظومة دفاع إقليمي متكاملة، وفي الوقت ذاته توجيه رسالة بأن قدراتها الجوية ما زالت تمثل أحد أركان الردع الفاعل في الخليج العربي.
أما من منظور العلاقات الثنائية، فإن المناورات تمثل استمراراً لمسار طويل من التعاون الدفاعي بين السعودية والإمارات، وهو تعاون يقوم على مفهوم «الأمن الجماعي الخليجي» وليس على التحالفات الظرفية. فبعد عقد من العمل العسكري المشترك في ملفات إقليمية كاليمن ومكافحة الإرهاب، أصبحت الشراكة الدفاعية بين البلدين أكثر نضجاً وتنظيماً، وتتجه اليوم نحو التركيز على التدريب النوعي والتكامل في أنظمة القيادة والسيطرة. ما يجري في قاعدة الظفرة ليس مجرد تمرين، بل هو اختبار عملي لكفاءة هذا التنسيق الذي بات أساسياً لضمان أمن المجال الجوي الخليجي في مواجهة أي تهديد محتمل، سواء من طائرات مسيّرة أو صواريخ باليستية، أو من تحركات قوى خارجية تسعى إلى اختراق المجال الأمني العربي.
بناء استقلالية دفاعية
على مستوى أوسع، يأتي التمرين في سياق تصاعد المنافسة الدولية على الفضاء الجوي والتكنولوجي في الشرق الأوسط. فبينما تعيد الولايات المتحدة تموضعها العسكري في المنطقة، وتحاول الصين وروسيا تعزيز نفوذهما عبر شراكات تسليحية وتكنولوجية، تبدو السعودية والإمارات حريصتين على بناء استقلالية دفاعية تعتمد على التطوير الذاتي والتحالفات الإقليمية المرنة. المناورات تعكس هذا الاتجاه الجديد القائم على بناء تحالفات «القدرات» وليس فقط «التحالفات السياسية»، أي تحالفات قائمة على تطوير التكتيكات والأنظمة والإجراءات الموحدة التي تسمح بتفعيل الردع بسرعة وفعالية.
الدلالات الإقليمية للمناورة تتصل أيضاً بما يشهده الشرق الأوسط من إعادة تموضع لقوى كبرى، وصعود أنماط جديدة من التهديدات غير التقليدية. فالمنطقة تواجه اليوم تحديات تمتد من أمن الممرات البحرية في البحر الأحمر وخليج عمان، إلى التوترات في شرق المتوسط، مروراً بالحروب غير المتناظرة في اليمن والعراق وسوريا. ضمن هذا المشهد، تمثل القدرة على التنسيق الجوي والصاروخي بين دول الخليج أداة حاسمة لإدارة الأزمات ومنع انزلاقها إلى صدامات مفتوحة. المناورات بالتالي ترسل رسالة مزدوجة: الأولى إلى الحلفاء بأن دول الخليج قادرة على تحمل عبء أمنها بنفسها، والثانية إلى الخصوم بأن سماء الخليج ليست فراغاً استراتيجياً بل فضاء مراقب ومنضبط تكنولوجياً وميدانياً.
أبعاد المناورة العسكرية
ومن الزاوية السياسية، تأتي المناورة في وقت تسعى فيه دول الخليج إلى ترسيخ نهج «الدبلوماسية الوقائية» القائم على الردع من موقع القوة، وليس التصعيد من موقع الضعف. فالتدريبات المشتركة تخلق شبكة ثقة متبادلة بين الجيوش الخليجية، وتمنح صانعي القرار خيارات أوسع للتحرك الدبلوماسي دون خوف من الفراغ العسكري. السعودية والإمارات تدركان أن أمنهما لا ينفصل عن استقرار الشرق الأوسط، وأن بناء قوة جوية موحدة، قادرة على الرد السريع والدقيق، هو عنصر موازٍ لمسار التهدئة والانفتاح الذي تشهده المنطقة، خصوصاً بعد الانفراج النسبي في العلاقات السعودية – الإيرانية، ومساعي الدول العربية لإعادة التموضع في ملفات سوريا واليمن والسودان.
البعد الآخر الذي تحمله المناورة هو البعد الرمزي. فاختيار الإمارات لاستضافة تمرين بهذا الحجم بمشاركة عربية واسعة يؤكد موقعها كمركز للتدريب العسكري المتقدم، في حين تُظهر المشاركة السعودية أن الرياض تواصل التزامها بتعزيز البعد العملي لمنظومة الدفاع الخليجي المشترك. كما أن مشاركة دول «شقيقة وصديقة» تشير إلى رغبة البلدين في تدويل التعاون العسكري العربي ضمن شراكات منفتحة تشمل دولاً أوروبية وآسيوية تشارك في نفس الرؤية لأمن الملاحة الإقليمية ومكافحة الإرهاب وتهريب الأسلحة.
وبتحليل أعمق، يمكن القول إن هذه المناورات تمثل نموذجاً جديداً لإدارة الأمن الإقليمي في مرحلة ما بعد «التحالفات الكبرى». فبدلاً من انتظار مظلة أمنية دولية ثابتة، تتجه دول المنطقة إلى بناء منظومة ردع متحركة، تقوم على الجاهزية والتدريب والتكامل المعلوماتي، ما يجعل أي تهديد محتمل مكلفاً وغير مضمون النتائج. في الوقت ذاته، تمنح هذه التمارين العسكريين الشباب من البلدين خبرة ميدانية وتفاعلية في بيئة متعددة الجنسيات، وهي تجربة ترفع الكفاءة المهنية وتؤسس لجيل جديد من القادة العسكريين القادرين على التفكير المشترك واتخاذ القرار ضمن منظومات قيادة موحدة.
رسالة استراتيجية
في ضوء هذه المعطيات، فإن مناورات «مركز الحرب الجوي الصاروخي» لا تُقرأ فقط كاستعراض قوة، بل كرسالة استراتيجية في توقيتٍ تشهد فيه المنطقة تحولات كبرى في موازين القوى وسباق تسلح تكنولوجي غير مسبوق. السعودية والإمارات تسعيان من خلال هذا التمرين إلى ترسيخ فكرة أن أمن الخليج العربي جزء لا يتجزأ من أمن الشرق الأوسط، وأن الدول العربية قادرة على صياغة معادلة أمنها الجماعي عبر التعاون والتكامل، وليس عبر التبعية.
المناورات العسكرية اليوم هي الوجه الصلب لمسار سياسي ناعم، كلاهما يسير في اتجاه واحد: بناء شرق أوسط أكثر استقراراً، تتراجع فيه الهشاشة الأمنية لصالح توازن القوى الذكي، وتتحول فيه التمارين العسكرية من أدوات مواجهة إلى أدوات ردع تمنع المواجهة ذاتها.






