كثفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة من استهداف المدنيين في ثلاث محافظات يمنية، في تصعيد أمني أثار مخاوف واسعة من انزلاق الأوضاع نحو مزيد من العنف، بالتزامن مع تقديرات محلية باحتمال اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.
وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة، في ظل ضغوط اقتصادية ومعيشية متفاقمة.
مقتل شاب في رداع وإصابة آخر
أبرز هذه الحوادث وقعت في مدينة رداع بمحافظة البيضاء جنوب شرقي صنعاء، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر.
ووفق مصادر حكومية، أطلقت عناصر تابعة للحوثيين النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة، عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين. وأوضحت المصادر أن الاعتقالات جاءت على خلفية حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، ما تسبب في حالة توتر متصاعدة داخل المجتمع المحلي.
وأكدت المصادر أن حملة أمنية انتشرت في السوق فور تداول الدعوة للاحتجاج، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة الزيلعي بجروح خطيرة نُقل على أثرها إلى العناية المركزة.
وأفادت شهادات محلية بأن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خاصة أن والد القتيل لقي مصرعه قبل أقل من عام في ظروف مشابهة، ما أثار مخاوف من انزلاق المنطقة إلى دوامة ثأر اجتماعي يصعب احتواؤها.
حصار حي سكني واستخدام أسلحة ثقيلة
وأعربت منظمات حقوقية يمنية عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت أسلحة ثقيلة ومتوسطة داخل مناطق مكتظة بالسكان.
وذكرت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات أن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.
وأكدت الشبكة أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.
وأدى إغلاق الطرق، بحسب إفادات محلية، إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين، في ظل أوضاع إنسانية متدهورة أصلاً.
اتهامات رسمية ودعوات للمساءلة
من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع بالقوة المسلحة».
وطالب الإرياني منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية والآليات الأممية بإدانة واضحة وتوثيق ما وصفها بـ«الجرائم»، والعمل على مساءلة مرتكبيها، مؤكداً أن تلك الانتهاكات «لا تسقط بالتقادم».
إصابات في تعز وإب
ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء؛ ففي محافظة تعز أُصيبت امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، ونُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.
وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبي ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.
وتقول منظمات حقوقية إن تكرار حوادث القنص وإطلاق النار المباشر يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.
تحذيرات من كارثة إنسانية
ودعت الجهات الحقوقية إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، ووقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة، إضافة إلى توفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى وضمان وصول المساعدات الطبية.
كما ناشدت المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً في البلاد.






