تعيش الجبهة الشرقية لحرب أوكرانيا واحدة من أكثر لياليها توتراً منذ أشهر، بعدما أعلنت وزارة الدفاع الروسية إسقاط 65 طائرة مسيّرة أوكرانية فوق ثماني مقاطعات روسية دفعة واحدة، وهذا الرقم اللافت يعيد رسم ملامح المشهد الميداني ليلاً، ويكشف عن حجم الاستنفار العسكري الروسي داخل العمق، في وقت يبدو أن موسكو تتجه إلى تثبيت معادلة جديدة تقوم على السيطرة الجوية الدفاعية كخط أول لحماية مناطق الحدود الحسّاسة.
تصعيد روسي فوق ثماني مقاطعات… وليلة مُسيرات مشتعلة
وفي هذا الإطار، تبرز أسئلة حول قدرة أوكرانيا على الاستمرار في تكتيك الهجمات المتناثرة، في ظل إرهاق البنية الدفاعية الروسية ومحاولة اختراقها من زوايا متعددة.
تؤكد الرواية الروسية أن الدفاعات الجوية تعاملت مع موجة هجمات “منسّقة” استهدفت مناطق تمتد من القرم إلى فورونيج وبريانسك وتولا وبيلغورود وليبيتسك وتمبوف، ما يعطي انطباعاً بأن كييف اختبرت قدرات الدفاع الجوي الروسي في مساحة واسعة وبشكل متزامن.
ويتزامن هذا التوسع في نطاق العمليات مع ارتفاع وتيرة الحديث عن تغيير نهج الحرب، من مواجهة برية إلى معركة استنزاف جوية تعتمد على الإغراق بالمسيّرات، باعتبارها أقل تكلفة وأكثر قدرة على تشتيت الدفاعات.
ورغم إسقاط جميع المسيّرات وفق البيانات الروسية، إلا أن الكرملين يعتبر أن كثافة الهجمات تمثل محاولة أوكرانية “لتسجيل نقاط سياسية” قبيل دخول war diplomacy مرحلة جديدة، خصوصاً مع ظهور الخطة الأميركية المقترحة لإنهاء الحرب.
ويشير مراقبون في موسكو إلى أن القيادة العسكرية الروسية تتعامل مع كل موجة جديدة بوصفها اختباراً مباشراً لقوة الردع، مما يجعل كل ليلة قابلة لتغيير بعض قواعد الاشتباك.
لكن هذا التصعيد يفتح الباب أمام تساؤلات أكبر بشأن مدى قدرة الجانبين على تحمل هذا النوع من المواجهات الطويلة، خصوصاً أن أوكرانيا، رغم عدم تحقيق نتائج ميدانية بارزة، تسعى للضغط المعنوي، بينما تنظر روسيا إلى ردع المسيّرات كجزء من استراتيجيتها للحفاظ على استقرار المناطق الملحقة حديثاً.
توازنات دونباس… وموسكو ترسّخ معادلة السيطرة
في قلب المشهد الميداني، يبقى إقليم دونباس مركز الثقل في أي معادلة مستقبلية، خصوصاً بعد التسريبات الأخيرة حول خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لمنح روسيا السيطرة الفعلية على الإقليم.
وتستغل موسكو هذه اللحظة لتأكيد حضورها العسكري والسياسي، وتوجيه رسالة مفادها أن خطوط السيطرة الحالية ليست قابلة للتراجع، حتى مع وجود مقترحات تفاوضية جديدة، لذلك، يأتي التصعيد ليلاً كجزء من تثبيت حقائق ميدانية تستند عليها موسكو عند أي نقاش سياسي قادم.
ويلاحظ أن المناطق التي شملتها هجمات المسيّرات تقع كلها على محيط جغرافي شديد الحساسية، يمثل شريان الإمداد الروسي بين الشرق والجنوب، وهذا يعزز لدى موسكو قناعة بأن كييف تحاول استنزاف الخطوط الخلفية الروسية، وليس فقط ضرب مواقع قريبة من الجبهة، ما يجعل التصعيد الحالي ذا دلالات استراتيجية عميقة تتجاوز مجرد إسقاط طائرات مسيّرة.
في المقابل، تقرّ أوكرانيا، ضمنياً، أن المعركة حول دونباس تتجاوز قدراتها الميدانية، وأن السيطرة الروسية على جزء كبير من الإقليم باتت أمراً صعب العودة عنه، ولهذا تُكثّف كييف استخدام المسيّرات في محاولة لإرباك موسكو وإظهار أنها ما زالت قادرة على المبادرة، حتى وإن كان ذلك في إطار محدود التأثير.
لكن ما يزيد المشهد تعقيداً هو تزامن هذا التصعيد مع حالة غموض سياسي خلّفتها الخطة الأميركية الجديدة، التي بدا أنها تمنح روسيا ما لم تحققه حتى الآن على الأرض بشكل كامل، وهو ما قد يشجّع موسكو على تكثيف عمليات تثبيت السيطرة في دونيتسك ولوغانسك والضغط على خطوط التماس لتوسيع مكاسبها.
الخطة الأميركية… اختبار لقدرة كييف على قبول “خسائر محسوبة”
أثارت خطة ترمب ضجة كبيرة على جانبي الصراع، كونها تطرح صيغة تتضمن انسحاباً أوكرانياً من مناطق في دونباس مع اعتبارها مناطق منزوعة السلاح، إلى جانب إبقاء خطوط السيطرة الحالية في خيرسون وزابوريجيا كما هي.
بالنسبة لموسكو، تمثل هذه الخطة اعترافاً غير مباشر بشرعية سيطرتها، حتى لو لم يأتِ الاعتراف من كييف مباشرة. أما بالنسبة لأوكرانيا، فتعكس الخطة قسوة الواقع العسكري الذي تواجهه.
وتشير مصادر دبلوماسية أميركية إلى أن واشنطن ترى أن استمرار الحرب سيؤدي إلى فقدان كييف لهذه المناطق على أي حال، وبالتالي فإن التفاوض الآن قد يكون أفضل المتاح لأوكرانيا، وهذا الطرح يضع زيلينسكي أمام مأزق سياسي داخلي، إذ سيواجه ضغوطاً من الرأي العام والقوات المسلحة التي ترى أن التنازل عن الأراضي يشكل اعترافاً بالهزيمة قبل اكتمال القتال.
في الوقت نفسه، تحاول واشنطن إقناع حلفائها الأوروبيين بأن التسوية المقترحة قد تمنع توسع الحرب، وتضمن عدم تنفيذ روسيا عمليات هجومية جديدة خارج المناطق المتنازع عليها، غير أن قبول أوروبا بهذه الصيغة يبقى مشروطاً بمدى قدرة الولايات المتحدة على تقديم ضمانات أمنية صارمة تمنع أي اختراق روسي في المستقبل.
أما موسكو، فتنظر إلى الخطة الأميركية من زاويتين: الأولى أنها تعكس تحوّلاً في المزاج الدولي تجاه الحرب، والثانية أنها تمنح روسيا مكاسب سياسية كبيرة دون الحاجة لعمليات عسكرية إضافية، لكن الروس حذرون أيضاً من أن تكون الخطة مجرد مناورة أميركية لتجميد الجبهة وليس لإنهاء الحرب فعلياً.
ضغط الميدان… وضباب السياسة في سماء كييف
تعيش أوكرانيا لحظة حرجة تجمع بين ضغط الميدان وحساسية المرحلة السياسية، فبينما تتكثف الهجمات الروسية المضادة على جبهات الجنوب والشرق، تتعرض كييف لضغوط دبلوماسية متزايدة من الغرب لتبني مقاربة واقعية بشأن مستقبل الأراضي التي فقدتها.
وفي هذه المعادلة المعقدة، تبدو أوكرانيا وكأنها تتحرك في مساحة ضيقة، تحاول فيها تحقيق مكاسب رمزية عبر ضربات المسيّرات لكسب الوقت أو تحسين موقفها التفاوضي.
غير أن ذلك لا يخفي حقيقة أن كييف تواجه إرهاقاً واضحاً على مستوى القدرات العسكرية، سواء في الذخائر أو الدفاع الجوي أو القوة البشرية، وقد دفعت هذه الحالة بعض المسؤولين الأميركيين إلى التحذير من أن الحرب قد تتحول إلى استنزاف طويل الأمد ما لم تتم إدارة المرحلة بعقلانية سياسية تتجاوز الشعارات.
وفي ظل هذا الضباب السياسي، تسعى القيادة الأوكرانية إلى إرسال رسائل مزدوجة للرأي العام الداخلي وللغرب: الأولى أنها لن تتخلى عن أي أرض بسهولة، والثانية أنها منفتحة على أي مبادرة تؤدي إلى وقف إطلاق النار بشروط مقبولة، لكن الواقع العسكري على الأرض لا يمنح كييف رفاهية الرفض المطلق، خصوصاً أن موسكو تعتبر أن لديها اليد العليا حالياً.
وتبقى المعادلة الأكثر صعوبة هي كيفية موازنة كييف بين حاجتها للدعم الغربي وبين قدرتها على الدفاع عن ما تبقى من أراضيها، في وقت تشير فيه مؤشرات واضحة إلى أن موسكو تستعد لمرحلة تثبيت النفوذ لا التراجع عنه.
كييف فقدت القدرة على تغيير المعادلة الميدانية
يرى الخبير العسكري الروسي ألكسندر ميلنيك أن إسقاط 65 مسيّرة في ليلة واحدة يؤكد أن أوكرانيا وصلت إلى مرحلة “الإغراق العشوائي” الذي لا يهدف لتحقيق اختراق، بقدر ما يسعى لإرباك الدفاعات الروسية وخلق صورة إعلامية داخلية.
ويقول إن موسكو تنظر إلى هذه الهجمات كجزء من حرب نفسية أكثر منها حرباً ذات فعالية ميدانية، خصوصاً أن الدفاعات الجوية باتت تتعامل مع هذا النوع من الهجمات بشكل شبه يومي.
ويؤكد ميلنيك أن السيطرة على دونباس “باتت محسومة ميدانياً”، وأن أي نقاش سياسي حول الإقليم سيتم على أساس الواقع الحالي لا على أساس الخرائط القديمة قبل الحرب، ويرى أن كييف لا تملك القدرة على استعادة السيطرة على هذه المناطق، بغض النظر عن حجم الدعم الغربي، لأن روسيا أصبحت تمتلك خطوط دفاع وتحصينات لا يمكن اختراقها بسهولة.
ويضيف أن الخطة الأميركية المقترحة “تعترف بطريقة غير مباشرة بشرعية السيطرة الروسية”، لأنها تبقي على خطوط التماس الحالية وتمنح موسكو نفوذاً أوسع دون تكبد خسائر إضافية، ويعتبر أن الولايات المتحدة تسعى لإنهاء الحرب بأقل تكلفة ممكنة، حتى لو كان ذلك على حساب أوكرانيا.
ويختم بالقول إن المرحلة القادمة ستشهد “تثبيتاً لخرائط السيطرة لا تغييرا لها”، وأن موسكو قد تقبل بالتفاوض فقط إذا ضمنت أن أي اتفاق سيحفظ مكاسبها، ويمنحها اعترافاً دولياً بحدود نفوذها في دونيتسك ولوغانسك والقرم.
خطة ترمب قد تشعل انقسامات داخل الغرب قبل أن توقف الحرب
على الجانب الآخر، يرى الخبير السياسي الأوروبي جان بيار لوران أن الخطة الأميركية المطروحة “تبدو جذابة على الورق لكنها شديدة الخطورة سياسياً”، لأنها قد تؤدي إلى انقسامات بين الدول الأوروبية قبل أن تقود إلى وقف إطلاق النار بالفعل.
ويشير إلى أن دول أوروبا الشرقية، وخاصة بولندا ودول البلطيق، سترفض أي صيغة تعطي روسيا نفوذاً إضافياً، بينما قد تنظر دول كفرنسا وألمانيا إلى الخطة كفرصة لتجنب سنوات من الحرب المكلفة.
ويحذر لوران من أن قبول أوكرانيا بتنازلات إقليمية سيُضعف موقع زيلينسكي داخلياً، وقد يؤدي إلى أزمة سياسية حادة في كييف، خصوصاً أن الرأي العام الأوكراني ما زال يرفض الاعتراف بخسارة أي أرض، ويضيف أن أي خطة سلام تتضمن “التنازل القسري” ستُعد ضربة معنوية للجيش الأوكراني الذي دفع ثمناً باهظاً طوال عامين من الحرب.
كما يشير إلى أن موسكو قد ترى في الخطة فرصة لتعزيز مواقعها، لكنها قد ترفض في الوقت نفسه بعض بنودها التي تفرض قيوداً على نشر قواتها في مناطق منزوعة السلاح داخل دونباس، مؤكداً أن روسيا لم تُظهر استعداداً فعلياً لتقديم تنازلات أمنية كبرى. وهذا يجعل فرص تطبيق الخطة “محدودة ما لم يتم تعديلها جذرياً”.
ويختتم لوران تحليله بالإشارة إلى أن الغرب يعيش لحظة “إعادة تقييم شاملة”، وأن المستقبل القريب سيشهد مفاوضات معقدة قد تنتهي إما بصفقة تاريخية، أو بعودة الحرب إلى مستويات أعلى من التصعيد، خصوصاً إذا رفض أحد الطرفين الشروط المستجدة.







