في مشهد يعيد تشكيل التوازنات السياسية في الشرق الأوسط، تكتسب الزيارة المرتقبة التي سيجريها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن منتصف نوفمبر المقبل دلالات استراتيجية تتجاوز البعد الثنائي بين الرياض والولايات المتحدة، لتؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة الواسعة التي تعيد رسم خرائط النفوذ في المنطقة، وتحدد اتجاهات القوة خلال السنوات المقبلة. فالزيارة الأولى للأمير محمد بن سلمان إلى البيت الأبيض منذ سبع سنوات، وفي عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الثانية، تأتي في لحظة حساسة إقليمياً ودولياً، ما يجعلها حدثاً محورياً في سياق العلاقات السعودية الأمريكية الممتدة منذ أكثر من ثمانية عقود.
تشير التسريبات التي كشفتها شبكة «سي بي إس» الأمريكية إلى أن ملفات الزيارة لن تكون بروتوكولية فحسب، بل تمثل خلاصة تفاهمات طويلة سبقت الموعد المقرر، وتتركز حول اتفاق دفاعي جديد بين البلدين، إضافة إلى تنسيق واسع بشأن ملفات غزة والملف النووي الإيراني، وهي قضايا تمس جوهر الأمن الإقليمي وتحدد مستقبل المنطقة في ظل حالة السيولة السياسية غير المسبوقة. هذا الاتفاق الدفاعي، الذي يُرجّح أن يتم توقيعه رسميًا خلال الزيارة، يُعدّ من أكثر الملفات حساسية في السياسة السعودية، لأنه يرسخ التزامًا أمريكيًا مباشرًا بحماية أمن المملكة، وهو مطلب ظل مطروحًا منذ الهجمات على منشآت «أرامكو» في سبتمبر 2019، حين تعرضت البنية النفطية السعودية لأكبر هجوم في تاريخها الحديث.
رؤية المملكة للتهديدات الإقليمية المستمرة
ومن منظور استراتيجي، فإن التقارب السعودي الأمريكي يعكس تكتيك واضح في السياسة الخارجية للمملكة، التي نجحت خلال السنوات الأخيرة في تنويع شراكاتها الدولية، سواء مع الصين وروسيا أو عبر إطار منظمة «أوبك+»، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن واشنطن تظل الشريك الأمني الأوثق في ظل التهديدات الإقليمية المستمرة. ومن هنا، فإن الرياض تسعى إلى موازنة علاقاتها بين الشرق والغرب، دون أن تفقد موقعها المركزي كقوة إقليمية مستقلة القرار. فالتحالف الدفاعي المحتمل مع الولايات المتحدة لا يعني ارتهان القرار السعودي، بقدر ما يؤكد مكانة المملكة كلاعب رئيسي قادر على عقد الشراكات وفق مصلحته الوطنية.
من زاوية أخرى، تأتي هذه الزيارة لتؤكد انتقال العلاقات السعودية الأمريكية من مرحلة «الاعتمادية» إلى «الشراكة المتكافئة». ففي الماضي كانت العلاقات تقوم على معادلة النفط مقابل الأمن، أما اليوم فالسعودية تمتلك رؤية اقتصادية وسياسية شاملة تتجاوز هذا الإطار التقليدي، حيث تُعدّ واحدة من أسرع الاقتصادات نموًا في العالم، وتطرح نفسها كقوة استثمارية وتكنولوجية رائدة في الشرق الأوسط من خلال «رؤية 2030» التي أطلقها ولي العهد. هذه الرؤية، التي تسعى إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، تتقاطع مع المصالح الأمريكية في مجالات الطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والبنية التحتية الرقمية، مما يمنح التعاون بين البلدين بعدًا تنمويًا متقدمًا.
مستقبل العلاقات مع إيران
وعلى الصعيد السياسي، فإن الزيارة تأتي في وقت تعيش فيه المنطقة تحولات عميقة: تصاعد التوتر في غزة، وضبابية المشهد في لبنان، وعودة التنافس الإقليمي بين القوى الكبرى. ومن هذا المنطلق، فإن التنسيق السعودي الأمريكي في الملفات الإقليمية لا يهدف فقط إلى ضبط الأوضاع الأمنية، بل إلى إعادة صياغة توازنات القوة بما يضمن استقرار الشرق الأوسط. ويبدو أن الرياض، التي نجحت في لعب دور الوسيط بين أطراف عدة — من طهران إلى صنعاء — تسعى الآن إلى توظيف مكانتها الجديدة لتقود محوراً عربياً أكثر تماسكاً، بدعم أمريكي مباشر.
وتكشف المؤشرات أن الزيارة ستبحث أيضاً مستقبل العلاقات مع إيران بعد اتفاق بكين في مارس 2023، والذي أرسى هدنة سياسية بين البلدين، لكن ظل في حاجة إلى مظلة دولية تحفظ التوازن. وهنا تبرز واشنطن كشريك قادر على دعم التفاهمات دون المساس باستقلالية القرار السعودي. فالرياض، التي تبنت نهج “التهدئة من موقع القوة”، تدرك أن النفوذ الإقليمي لا يُبنى فقط على القوة العسكرية، بل على القدرة على بناء شبكات تحالفات اقتصادية وسياسية طويلة المدى. ومن هذا المنطلق، فإن الشراكة مع واشنطن ليست مجرد مظلة أمنية، بل أداة استراتيجية لتوسيع الدور السعودي في النظام الدولي الجديد.
في المقابل، تدرك الولايات المتحدة أن تعزيز علاقاتها مع المملكة بات ضرورة استراتيجية، لا خيارًا دبلوماسيًا. فبعد عقد من التراجع الأمريكي عن الشرق الأوسط، عادت واشنطن لتجد أن الصين وروسيا تملآن الفراغ، وأن النفوذ السعودي أصبح حجر الزاوية في معادلة الطاقة العالمية، خصوصاً بعد أن أصبحت الرياض لاعباً حاسماً في تحديد سياسات الإنتاج ضمن «أوبك+». ومن هنا، فإن إدارة ترامب الثانية تسعى إلى استعادة مكانتها في المنطقة عبر البوابة السعودية، التي تمثل اليوم حليفاً موثوقاً في قضايا مكافحة الإرهاب، وضبط أسعار النفط، ودعم الاستقرار الإقليمي.
بناء الثقة السياسية على أسس جديدة
كما أن الجانب الأمريكي ينظر إلى التعاون الدفاعي مع السعودية بوصفه خطوة تعزز حضور واشنطن في الخليج، وتمنع تمدد النفوذ الإيراني. فالاتفاق الدفاعي المتوقع يشمل بنوداً لتبادل المعلومات الاستخباراتية وتنسيق الدفاع الجوي وتطوير القدرات الصاروخية، وهي قضايا تمثل أولوية لدى القيادة السعودية في ظل تطور التهديدات الإقليمية. ويُعتقد أن هذا التعاون سيمنح المملكة تفوقًا نوعيًا في مجال الأمن الإقليمي، بما يتكامل مع خططها للتحول إلى مركز تكنولوجي وعسكري متقدم في الشرق الأوسط.
ولعلّ الأهمية الرمزية للزيارة تكمن في كونها تأتي بعد سنوات من التوترات التي شهدتها العلاقات الثنائية في فترات سابقة، خصوصاً بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي عام 2018، وما تبعه من توتر دبلوماسي، ثم تراجع الثقة في فترة إدارة جو بايدن. غير أن عودة ترامب إلى الحكم فتحت الباب أمام إعادة بناء الثقة السياسية على أسس جديدة، قوامها المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. وهذا التحول يعكس أيضًا إدراك واشنطن لوزن السعودية في ملفات الطاقة العالمية، حيث باتت الرياض شريكًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تخص النفط أو استقرار الأسواق.
اقتصاديًا، فإن التقارب السعودي الأمريكي من شأنه أن يفتح آفاقاً أوسع للاستثمار المشترك، خاصة في القطاعات الحيوية مثل التكنولوجيا والطاقة النظيفة والدفاع والفضاء. فالولايات المتحدة تنظر إلى السوق السعودية كإحدى أكثر الأسواق الواعدة في الشرق الأوسط، بينما ترى الرياض أن استقطاب الشركات الأمريكية الكبرى يخدم خطط التحول الوطني ويعزز مكانتها كمركز إقليمي للأعمال. كما أن التعاون في مجال الطاقة، خصوصاً في إنتاج الهيدروجين الأخضر، سيمنح البلدين دورًا رياديًا في قيادة التحول العالمي نحو الاقتصاد منخفض الكربون.
رسم خريطة التحالفات الإقليمية والدولية
وفي السياق الإقليمي الأوسع، فإن زيارة ولي العهد إلى واشنطن تتجاوز الطابع الثنائي لتشكل رسالة واضحة إلى العواصم الإقليمية والدولية بأن السعودية عازمة على لعب دور قيادي في رسم مستقبل الشرق الأوسط. فهي اليوم لاعب متوازن يجمع بين الانفتاح على القوى الكبرى والتصميم على حماية المصالح العربية، وهو ما يمنحها قدرة على التأثير في مسارات النزاعات المعقدة، من اليمن إلى السودان وغزة. كما أن التقارب مع واشنطن يمنح المملكة أدوات إضافية لترسيخ نفوذها الدبلوماسي في المؤسسات الدولية، ودعم مبادراتها التنموية والإنسانية التي أصبحت جزءًا من قوتها الناعمة.
إن بسط النفوذ السعودي في الشرق الأوسط لا يتم من خلال القوة العسكرية فقط، بل عبر منظومة متكاملة من التحالفات الاقتصادية والسياسية والأمنية، وهذا ما تسعى الزيارة المقبلة لترسيخه. فالمملكة تدرك أن الاستقرار الإقليمي هو شرط أساسي لتحقيق طموحاتها التنموية، وأن التعاون مع الولايات المتحدة يمكن أن يشكل رافعة قوية لتعزيز هذا الاستقرار. ومن جهة أخرى، فإن واشنطن ترى في السعودية شريكًا استراتيجيًا قادرًا على ضمان أمن الطاقة العالمي، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، وموازنة النفوذ الصيني والروسي في المنطقة.
زيارة ولي العهد السعودي المرتقبة إلى واشنطن ليست مجرد حدث دبلوماسي، بل محطة مفصلية في إعادة رسم خريطة التحالفات الإقليمية والدولية. فهي تجسد عودة التحالف السعودي الأمريكي إلى الواجهة، ولكن بصيغة جديدة أكثر نضجًا وتوازناً. ومن شأن نتائجها أن تحدد ملامح الدور السعودي في الشرق الأوسط لعقد قادم، بما يعزز مكانة المملكة كقوة محورية تجمع بين الطموح التنموي والرؤية الاستراتيجية، في وقتٍ تتجه فيه المنطقة إلى مرحلة جديدة من التوازنات الدقيقة التي تحتاج إلى قيادة وحنكة سياسية على مستوى رؤية الأمير محمد بن سلمان.







