تتبنى روسيا موقفًا معلنًا يقوم على دعم الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حق تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وذلك استنادًا إلى قرارات الشرعية الدولية. وتؤكد موسكو باستمرار تمسّكها بـ“حل الدولتين” بوصفه الإطار الواقعي والقانوني الوحيد لتسوية الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وترفض أي إجراءات أحادية الجانب، مثل الاستيطان أو الضم أو التهجير القسري، التي تقوّض هذا الحل.
وفي السياق الإقليمي والدولي، تسعى روسيا إلى تقديم نفسها طرفًا فاعلًا ومتوازنًا، يدعو إلى مفاوضات مباشرة تحت مظلة الأمم المتحدة، ويشدد على أولوية وقف العنف، وحماية المدنيين، وتقديم المساعدات الإنسانية، لا سيما في قطاع غزة. كما تحافظ موسكو على قنوات تواصل مع مختلف الأطراف، الفلسطينية والإسرائيلية والعربية، مستثمرةً ذلك في تعزيز حضورها السياسي في الشرق الأوسط، وموازنة النفوذ الأمريكي، مع التأكيد الخطابي على احترام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.
وقف التوسع الاستيطاني
وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس، قد وصل إلى العاصمة الروسية موسكو، أمس الأربعاء، في زيارة رسمية تستمر يومين. ومن المقرر أن يلتقي عباس اليوم الخميس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ويستقبل السفراء العرب المعتمدين لدى روسيا.
وذكرت وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا) أن الرئيسين سيبحثان التطورات السياسية والأوضاع في الأراضي الفلسطينية، وإعادة الإعمار، ومنع التهجير والضم، ووقف التوسع الاستيطاني «وإرهاب المستوطنين، والإفراج عن الأموال الفلسطينية المحتجزة، ووقف إجراءات تقويض مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية»، فضلا عن سبل تطوير العلاقات الثنائية، وعدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
تُعيد روسيا تموضعها بوصفها فاعلًا دوليًّا يسعى إلى ملء الفراغ الناجم عن تراجع الدور الأمريكي التقليدي، مُشدّدةً على ضرورة عقد مفاوضاتٍ مباشرة تحت مظلة الأمم المتحدة، لكنّ التعقيدات تظلُّ قائمة: فالاتهامات المتبادلة بين القوى الكبرى، والانقسامات العربية بين دعم الملف الفلسطيني، وضغوط التطبيع مع إسرائيل، بالإضافة إلى التصعيد العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية تحت اسم “السور الحديدي”، تُذكِّر بأن غزة لم تعد مجرد ساحة صراع محلي؛ بل تحوّلت إلى بؤرة لصراعٍ جيوسياسي أوسع، تُدار فيه حسابات القوة بعيدًا عن معايير العدالة الدولية.
قيام دولة فلسطينية
وفي السياق ذاته، أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إنه لا يمكن تحقيق الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط من دون قيام دولة فلسطينية. جاء ذلك في مؤتمره الصحفي السنوي الذي عقده في مبنى وزارة الخارجية الروسية في العاصمة موسكو.
وفي حديثه عن الوضع في غزة، قال لافروف: “من أجل حل طويل الأمد لقضية الشرق الأوسط، يجب تنفيذ قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بإقامة دولة فلسطينية. وينطبق هذا المعيار أيضا على مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتشكيل مجلس السلام”. حسب وفا.
وأضاف أن روسيا تلقت دعوة للمشاركة في “مجلس السلام” الذي جرى تشكيله في إطار خطة السلام الخاصة بغزة، وأن موسكو تسلمت مسودة النظام الأساسي للمجلس، مشيرا إلى رغبة بلاده في توضيح تفاصيل هذا العرض عبر التواصل مع الجانب الأميركي.
وأكد لافروف: “نؤيد تقييم كل الفرص التي من شأنها الإسهام في حل مشاكل الشعب الفلسطيني، ولا سيما الأزمات الإنسانية الخطيرة التي نتجت عن العمليات العسكرية الإسرائيلية. إن ممارسات إسرائيل تخرج عن إطار القانون الدولي الإنساني. وبعد معالجة هذه القضايا، يجب إطلاق مسار الحل السياسي وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة، فلا يمكن تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط دون قيام دولة فلسطينية”.
تسوية دائمة للقضية الفلسطينية
يُعد الموقف الروسي واضحًا في رفض أي خططٍ تتعارض مع “حل الدولتين” وفق قرارات الأمم المتحدة، إذ شدّد الكرملين على أن أي تسوية دائمة للقضية الفلسطينية يجب أن تستند إلى الشرعية الدولية. وفي هذا السياق، أكدت زاخاروفا أن الأولوية الآن هي “ضمان تنفيذ الاتفاق بين إسرائيل وحماس”، و”تقديم المساعدة الإنسانية العاجلة”، معتبرةً أن الحديث عن مخططات تهجير هو “تدابير تخفيفية غير مجدية.” حسب مركز الدراسات الأوراسية.
لكنّ ردود الفعل الإقليمية والدولية كشفت عن انقسامات عميقة: فبينما رحّب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بخطة ترمب، واصفًا إياها بـ”الفرصة لإعادة إعمار غزة”، اندفعت حركة حماس إلى رفضها رفضًا قاطعًا، واصفةً إياها بـ”مشروع تهجيرٍ ممنهج”، ومطالبةً بعقد قمة عربية طارئة لمواجهة هذه الخطط . كما انضمّت دول عربية وإسلامية، مثل مصر والأردن، إلى رفض الفكرة، في حين عبّرت الصين عن معارضتها أي “تهجير قسري.”
هذا المشهد المُعقّد يطرح تساؤلاتٍ عن مدى جدية الخطط الأمريكية، وما إذا كانت تُخفي أجنداتٍ لتصفية القضية الفلسطينية، أو إذا كانت مجرد “بالونات اختبار” لقياس ردود الفعل؛ فبينما تُحاول موسكو تقديم نفسها “وسيطًا نزيهًا”، تُظهر واشنطن -من خلال خطاب ترمب- انحيازًا كاملًا إلى الرواية الإسرائيلية؛ مما يُعمّق أزمة الثقة بالسياسة الدولية.







