إعادة فتح ملف الانتخابات الرئاسية في أوكرانيا لا تنطلق من نقاش دستوري هادئ، بل من قلب حرب مفتوحة لم تتوقف نيرانها منذ سنوات. فالسؤال هنا ليس ما إذا كانت الانتخابات حقًا ديمقراطيًا بديهيًا، بل متى وكيف يمكن تنظيمها دون أن تتحول إلى عبء أمني أو ورقة ضغط سياسية على دولة تقاتل من أجل بقائها.
كييف تقول بوضوح إن صناديق الاقتراع لا يمكن أن تُنصب بينما الصواريخ لا تزال تتساقط، معتبرة أن أي استحقاق انتخابي قبل تحسّن الوضع الأمني سيعرّض العملية السياسية نفسها للخطر.
ضغوط دولية وروايات متناقضة حول “الشرعية”
في الخلفية، تتزايد الضغوط الخارجية التي تربط بين “تجديد الشرعية الانتخابية” ومسار التسوية السياسية. موسكو تُعيد طرح مسألة انتهاء الولاية الرئاسية كذريعة للتشكيك في تمثيل القيادة الأوكرانية، بينما تتردّد داخل أوساط غربية دعوات إلى تسريع الاقتراع كجزء من مقاربة أوسع لإنهاء الحرب.
غير أن هذا الطرح يصطدم برؤية أوكرانية تعتبر أن تحويل الانتخابات إلى شرط تفاوضي يمنح روسيا ورقة سياسية مجانية، ويضع كييف في موقف دفاعي وهي تخوض نزاعًا وجوديًا.
موقف زيلينسكي: لا تهرّب من الانتخابات… لكن بشروط الحرب
الرئيس الأوكراني لا يُنكر أهمية الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، بل يؤكد أنه لا يرغب في ترك أي فراغ يُستغل للتشكيك بشرعية السلطة. ومع ذلك، يربط الاستحقاق الانتخابي بتحقق حد أدنى من الاستقرار يسمح بحملة انتخابية آمنة وتصويت حرّ.
في الوقت نفسه، يلمّح زيلينسكي إلى مرونة سياسية مشروطة، عبر الاستعداد للنظر في تنظيم اقتراع سريع إذا أصبح جزءًا من ترتيبات دولية أوسع لإنهاء الحرب، شرط ألا يتحول ذلك إلى أداة لفرض تنازلات تمس السيادة أو وحدة الأراضي.
أحكام عرفية وواقع اجتماعي يقيّد صندوق الاقتراع
من الناحية القانونية، تُعلّق حالة الطوارئ المفروضة منذ اندلاع الغزو الروسي الاستحقاقات الانتخابية. لكن العائق لا يقتصر على النصوص، بل يمتد إلى واقع اجتماعي وأمني معقّد:
ملايين الأوكرانيين يعيشون خارج البلاد كلاجئين، وملايين آخرون نزحوا داخلها، في حين يقيم مئات الآلاف تحت سيطرة روسية مباشرة. في ظل هذا التشتت السكاني، يصبح الحديث عن اقتراع “شامل وعادل” أقرب إلى تحدٍّ لوجستي هائل، فضلًا عن المخاطر الأمنية المرتبطة بتنظيم حملات انتخابية أو فتح مراكز اقتراع في مدن مهددة بالقصف.
الرأي العام بين التعب من الحرب والخشية من الفوضى
استطلاعات الرأي داخل أوكرانيا لا تُظهر حماسًا واسعًا لإجراء انتخابات خلال الحرب. المزاج العام يميل إلى أولوية الاستقرار الأمني على المنافسة السياسية، خشية أن يؤدي الاستحقاق إلى انقسامات داخلية أو استغلال روسي لأي توتر سياسي.
هذا التردد الشعبي يعكس إدراكًا ضمنيًا بأن الديمقراطية في زمن الحرب تُواجه اختبارًا قاسيًا: كيف تحافظ على شكلها ومبادئها دون أن تتحول إلى نقطة ضعف في معركة وجودية؟
انتخابات مؤجلة… ومأزق الشرعية المستمر
في المحصلة، تجد كييف نفسها بين نارين: تأجيل الانتخابات يمنح خصومها مادة دعائية للتشكيك في الشرعية، وتسريعها قد يفتح أبوابًا للفوضى والمخاطر الأمنية.
المعادلة ليست قانونية بحتة، بل سياسية وأمنية في آن واحد. وبينما يستمر النزاع دون أفق قريب للحسم، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع أوكرانيا أن تُجري انتخابات “طبيعية” في ظل حرب غير طبيعية، أم أن الشرعية في زمن الصراع تُقاس اليوم بقدرة الدولة على الصمود أكثر مما تُقاس بصناديق الاقتراع؟






