في ظل استمرار الحرب المستعرة مع روسيا، أعلنت السلطات الأوكرانية، اليوم الإثنين، توجيه اتهامات إلى ستة أشخاص بينهم نائب في البرلمان ومسؤول حكومي حالي وآخر سابق، بتورطهم في اختلاس أموال مخصصة لشراء طائرات مسيّرة ومعدات تشويش لدعم الجيش.
وتعتبر أوكرانيا الطائرات المسيّرة وأنظمة الحرب الإلكترونية ركيزة أساسية في معركتها ضد الغزو الروسي، فيما تسعى كييف بشكل متوازٍ إلى تطهير مؤسساتها من الفساد، في مسعى حاسم لنيل عضوية الاتحاد الأوروبي.
بحسب المكتب الوطني الأوكراني لمكافحة الفساد، فإن المتهمين، وبينهم ضابط في الحرس الوطني ورجلا أعمال، متورطون في مخطط ممنهج لاختلاس الأموال العامة خلال عامي 2024 و2025، عبر تقديم رشاوى لقاء صفقات توريد بأسعار مضخّمة. وأضاف المكتب أن الرشاوى بلغت نحو 30% من قيمة العقود، مشيرًا إلى عقد لطائرات مسيّرة قُدرت قيمته بـ240 ألف دولار، تضمن زيادات غير مبررة بلغت 80 ألف دولار.
القضية، التي تأتي في توقيت بالغ الحساسية، أثارت مخاوف من تأثيرها على ثقة الحلفاء الغربيين الذين يموّلون جهود أوكرانيا العسكرية. كما سلطت الضوء على حجم التحديات الداخلية التي تواجهها الحكومة الأوكرانية، حتى في خضم صراعها الخارجي.
وفي سياق متصل، صعّد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من لهجته تجاه روسيا، متهماً موسكو بالاستعانة بمرتزقة أجانب في ساحات القتال شمال شرقي البلاد. وقال زيلينسكي، عقب زيارة ميدانية إلى منطقة خاركيف، إن القوات الأوكرانية تواجه على الخطوط الأمامية مقاتلين من جنسيات متعددة تشمل الصين، وباكستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان، إضافة إلى دول أفريقية.
وأكد زيلينسكي، في منشور عبر منصة “إكس”، أن بلاده سترد على مشاركة هذه العناصر الأجنبية في القتال، واصفاً الوضع على جبهة فوفشانسك بـ”المعقد”. وأشار إلى أن التقارير الواردة من الميدان تؤكد وجود مرتزقة ينفذون مهام قتالية لصالح روسيا، فيما التزمت موسكو الصمت إزاء هذه الاتهامات حتى الآن، ورفضت بكين في وقت سابق المزاعم حول تجنيدها مقاتلين لصالح روسيا.
كما أفادت تقارير غربية بنشر كوريا الشمالية آلاف الجنود في منطقة كورسك الروسية، مما يضيف بعدًا دوليًا متزايدًا للصراع، في ظل احتدام التوتر الجيوسياسي.
على الجانب الدبلوماسي، يستعد الكرملين للقاء مرتقب مع المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والذي من المقرر أن يزور موسكو هذا الأسبوع، وسط مهلة سياسية حاسمة حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب للرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتوصل إلى اتفاق سلام أو مواجهة تصعيد إضافي في العقوبات.
وأكد المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، أن موسكو تعتبر المحادثات المقبلة “مهمة ومفيدة”، مبدياً ترحيبه بأي جهود أميركية لوقف النزاع، لكنه شدد على أن تحقيق اختراق سياسي يتطلب تفاهمات جدية. وتُعد هذه الجولة امتدادًا لمسار دبلوماسي متعثر بدأ بجولات سابقة استضافتها إسطنبول دون نتائج ملموسة.
وتواصل روسيا مطالبتها باعتراف أوكراني بسيادتها على أربع مناطق تخضع جزئياً لسيطرة الجيش الروسي، هي دونيتسك ولوغانسك وزابوريجيا وخيرسون، بالإضافة إلى شبه جزيرة القرم، فيما تشترط كييف انسحابًا روسيًا كاملاً وضمانات أمنية غربية، بينها نشر قوات أوروبية واستمرار تدفق الدعم العسكري.
وفي تطور لافت، أعلن ترمب أمس الأحد عن نشر غواصتين نوويتين في “المنطقة”، دون الإفصاح عن موقعيهما أو طبيعتهما التقنية، ما أثار تكهنات واسعة. وأوضح في تصريح للصحافيين أن هذه الخطوة تهدف إلى إيصال رسالة قوية إلى روسيا، مضيفاً أن موسكو تستطيع تجنب العقوبات عبر اتفاق سلام يوقف نزيف الدماء.
الكرملين ردّ بدعوة إلى “توخّي الحذر” في ما يتعلق بالتصريحات حول الأسلحة النووية، محذّراً من الانزلاق إلى سجال خطير. أما أوكرانيا، فقد اعتبرت الخطوة الأميركية إشارة ردعية بالغة الأهمية، إذ وصف رئيس المكتب الرئاسي الأوكراني أندريه يرماك نشر الغواصتين بأنه تجسيد فعلي لمبدأ “السلام من خلال القوة”، مؤكداً أن الوجود العسكري الأميركي نجح في إسكات تهديدات روسية “مخمورة” كانت تطلق عبر المنصات الرقمية.
المشهد في أوكرانيا يبدو مرشحاً لمزيد من التصعيد، وسط تزايد المؤشرات على تداخل الخطوط بين الجبهات العسكرية، ومناورات السياسة، والتحديات الداخلية التي لا تقل خطورة عن التهديدات القادمة من الشرق.






