تتجدد مشاهد الفوضى الأمنية في الغرب الليبي بين فترة وأخرى، لتعيد إلى الواجهة السؤال الأهم الذي يراود الليبيين والمجتمع الدولي على حد سواء: هل يمكن بناء دولة مستقرة في ظل تفكك الأجهزة الأمنية وتعدد الولاءات المسلحة؟ فالحوادث الأخيرة في مدن العجيلات والخمس والزاوية ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاضطرابات التي تؤكد أن الأزمة الليبية لم تعد سياسية فحسب، بل تحولت إلى معضلة بنيوية في بنية الأمن والدولة، تهدد بتقويض كل ما تحقق من تفاهمات حول خارطة الطريق نحو الانتخابات.
مؤشرات الانفلات.. عودة مشهد الفوضى إلى الواجهة
وقعت خلال الساعات الماضية اشتباكات مسلحة في مدينة العجيلات غرب طرابلس، عقب تنفيذ «قوة دعم المديريات» عملية قبض على أحد المطلوبين، ليتحول الحدث الأمني المحدود إلى مواجهة عنيفة بالأسلحة المتوسطة والقذائف، وسط الأحياء السكنية. تطورت الأحداث لتشمل هجوماً بقاذف «آر بي جي» على مقر القوة، ما أثار ذعر الأهالي وأعاد للأذهان مشاهد الاشتباكات التي كانت المدينة قد شهدتها العام الماضي بين فصائل محلية متناحرة.
ولم تكد الأوضاع تهدأ حتى تصاعدت قضية أخرى شرق العاصمة، تمثلت في تضارب الأنباء حول اختطاف مدير عام مركز طب الطوارئ والدعم الدكتور طارق الهمشري ومرافقيه، قبل أن تتضارب البيانات الرسمية بين التأكيد والنفي. فبينما أكد متحدث باسم المركز تعرضهم للخطف أثناء مرورهم في طريق الخمس، خرج بيان لاحق ينفي ذلك ويبرر الحادث بانقطاع الاتصال لأسباب ميدانية.
هذا التناقض الرسمي، الذي تابعه الليبيون بقلق، لم يكن سوى تعبير عن حالة ارتباك مؤسسي وأمني عميق، وعن هشاشة منظومة السيطرة داخل الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس.
وفي مدينة الزاوية القريبة، تحولت مأساة مقتل طالب جراء سقوط قذيفة عشوائية إلى موجة غضب طلابي وشعبي، حيث نظم طلاب «مدرسة الطليعة» وقفة احتجاجية تطالب بمحاسبة الجناة وإنهاء حالة الفوضى التي تحصد أرواح الأبرياء. إنها رسالة واضحة بأن الأزمة لم تعد بين مسلحين فقط، بل وصلت إلى قلب المجتمع المدني الذي بات يشعر بأنه رهينة صراع لا ينتهي.
تعدد القوى المسلحة.. انقسام الولاءات وتآكل الدولة
منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، لم تنجح أي سلطة ليبية متعاقبة في فرض احتكار الدولة للسلاح. بل إن المشهد تطور إلى ما يشبه “الكونفدرالية المسلحة”، حيث تحتفظ كل مدينة كبرى أو كتلة سياسية بقواتها الخاصة، التي تحمل أحياناً صفة رسمية دون أن تخضع فعلياً لتسلسل قيادة موحد.
في الغرب الليبي، حيث تتمركز حكومة عبد الحميد الدبيبة، تنتشر تشكيلات مثل “قوة الردع الخاصة”، و”كتيبة النواصي”، و”قوة دعم المديريات”، وغيرها من المجموعات التي تُدرج اسمياً تحت وزارتي الداخلية أو الدفاع، لكنها في الواقع تعمل وفق حساباتها الخاصة، وتتدخل أحياناً لتصفية حسابات محلية أو اقتصادية.
هذا التعدد الميليشياوي أدى إلى تآكل سلطة الدولة المركزية، بحيث باتت الحكومة في طرابلس عاجزة عن ضبط الأمن أو ضمان سلامة مسؤوليها. فحادثة الهمشري الأخيرة، سواء كانت اختطافاً فعلياً أو سوء تفاهم ميدانياً، تُظهر بجلاء أن التنقل بين المدن الليبية بات محفوفاً بالمخاطر حتى للمسؤولين الرسميين، ما يعكس غياب الأمن الإداري والمؤسسي.
وفي المقابل، يستمر شرق ليبيا تحت قيادة “الجيش الوطني” بقيادة المشير خليفة حفتر في تقديم نفسه كقوة نظامية تسعى إلى بسط الأمن والانضباط، وهو ما أكد عليه حفتر خلال لقائه بوفد من مشايخ فزان، مشيداً بدور القبائل في دعم الاستقرار والمصالحة الوطنية. هذا التباين بين مناخي الشرق والغرب يعمق الانقسام الجغرافي والسياسي، ويجعل الحديث عن خارطة طريق وطنية موحدة أمراً بالغ الصعوبة.
انعكاسات أمنية على المسار السياسي
يُعد الأمن شرطاً أساسياً لأي عملية سياسية ناجحة، خصوصاً في بلد يسعى لإجراء انتخابات عامة وإنهاء مرحلة الحكومات المؤقتة. لكن تكرار الاشتباكات والاختطافات والاغتيالات يضعف ثقة المواطنين في المؤسسات، ويجعل تنفيذ خارطة الطريق التي ترعاها الأمم المتحدة محفوفاً بالعقبات. فكلما تجددت الاشتباكات، تتراجع فرص إجراء انتخابات نزيهة، لأن البيئة الأمنية غير المستقرة لا تسمح بانتشار المراقبين أو عمل المفوضية العليا للانتخابات بحرية. كما أن القوى المسلحة التي تسيطر على مناطق مختلفة قد ترفض نتائج الانتخابات إن لم تكن في صالحها، مما يهدد بإعادة البلاد إلى دوامة الحرب الأهلية.
الانفلات الأمني لا يهدد فقط الانتخابات، بل ينعكس مباشرة على الثقة بين الأطراف المتنازعة. فكل حادث اختطاف أو اشتباك يفتح الباب أمام تبادل الاتهامات بين الشرق والغرب، ويغذي خطاب الكراهية والانقسام، ويعرقل جهود الوساطة التي تبذلها القاهرة وتونس والجزائر وتركيا والأمم المتحدة على حد سواء.
الاقتصاد ضحية موازية للفوضى
من الجوانب التي لا تحظى غالباً بالاهتمام الكافي، تأثير الانفلات الأمني على الاقتصاد الليبي. فكل اشتباك أو إغلاق لطريق رئيسي يؤدي إلى تعطيل حركة البضائع والوقود، وإلى ارتفاع الأسعار في المدن الغربية خصوصاً. كما تتضرر الاستثمارات الأجنبية ومشروعات إعادة الإعمار، إذ يخشى المستثمرون دخول بيئة يتهددها الخطف والابتزاز المسلح.
تتزايد أيضاً ظاهرة تهريب الوقود والبشر عبر الساحل الغربي، الذي يشهد حضوراً ضعيفاً للأجهزة الرسمية، ما يفتح الباب أمام شبكات الجريمة المنظمة التي تربط بين الداخل الليبي وسواحل أوروبا الجنوبية. وقد أشارت تقارير أمنية إلى أن بعض هذه الشبكات تحظى بحماية مجموعات مسلحة محلية، ما يكرّس اقتصاداً موازياً قائماً على الفوضى والسلاح.
تاريخياً، كانت القبائل في ليبيا عاملاً ضابطاً للنزاعات الاجتماعية، لكن تفكك الدولة المركزية أضعف هذه الوظيفة التقليدية، وأدخل بعض المكونات القبلية في الصراعات المسلحة ذاتها. غير أن المشهد في الجنوب والشرق يُظهر بوادر عودة للدور التوازني للقبائل، حيث تسعى إلى فرض المصالحة المحلية والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي. لقاء حفتر مع أعيان فزان يعكس محاولة لتوظيف هذا الدور في بناء جبهة وطنية داعمة لمسار سياسي وأمني موحد.
لكن الخطر يكمن في أن استمرار غياب الدولة قد يحوّل هذه الأدوار إلى سلطات موازية، تُعزز منطق “الزعامات المحلية” على حساب المؤسسات الرسمية. وهنا تبرز معادلة معقدة: فالدولة بحاجة إلى القبيلة لضمان الأمن، لكن الإفراط في الاعتماد عليها قد يكرّس التجزئة ويقوّض سيادة القانون.
المجتمع الدولي.. حضور دبلوماسي وغياب فعلي
على الرغم من تعدد المبادرات الأممية والدولية بشأن ليبيا، فإن تأثيرها الميداني على الواقع الأمني لا يزال محدوداً.
فبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL) تواصل دعواتها للتهدئة وإعادة توحيد المؤسسات، لكن دون أدوات ضغط حقيقية على الأطراف المسلحة. أما الدول الداعمة للحكومة في الغرب، مثل تركيا وقطر، فتبدو منشغلة بترتيب مصالحها أكثر من بناء مؤسسات أمنية وطنية موحدة.
في المقابل، يواصل محور الشرق، المدعوم من مصر والإمارات، تعزيز نفوذه في المناطق الخاضعة لسيطرة “الجيش الوطني”، مما يعمّق الانقسام ويجعل الحل الأمني رهيناً بتفاهمات إقليمية أكثر منه ليبية خالصة. إن غياب إرادة دولية موحدة لتطبيق قرارات مجلس الأمن بشأن نزع سلاح الميليشيات ومراقبة الحدود، يجعل كل الجهود السياسية عرضة للانهيار عند أول اختبار ميداني.
انعكاسات مستقبلية على خارطة الطريق
خارطة الطريق التي تم التوافق عليها مبدئياً بين مجلسي النواب والدولة، برعاية أممية، تقوم على ثلاث ركائز: توحيد السلطة التنفيذية، واعتماد قاعدة دستورية للانتخابات، وتهيئة المناخ الأمني والسياسي لإجرائها. لكن استمرار الفوضى في الغرب الليبي يقوّض الركيزة الثالثة، ويهدد بنسف كامل المسار الانتقالي.
ففي ظل الانقسام بين حكومة الدبيبة في طرابلس وحكومة أسامة حماد في بنغازي، يصبح أي اتفاق هشاً أمام واقع السلاح المنفلت. كما أن القوى المسلحة، التي تملك فعلياً السيطرة على الميدان، قد تُعرقل تنفيذ أي خريطة طريق لا تضمن لها نفوذاً أو امتيازات اقتصادية. لذلك، فإن معالجة الانفلات الأمني ليست مسألة أمنية فقط، بل سياسية بامتياز. فمن دون اتفاق واضح على إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية ودمج المقاتلين في مؤسسات نظامية، لن يكون لأي عملية انتخابية أو سياسية مستقبل مستقر. وقد شددت تقارير أممية متتالية على أن غياب الترتيبات الأمنية هو العامل الأكثر تهديداً لنجاح المرحلة الانتقالية.
أمن هش ومصير سياسي معلق
إن تكرار مشاهد الاشتباكات في العجيلات والزاوية، والاختطاف في الخمس، وسقوط الضحايا المدنيين، يكشف أن ليبيا لا تزال أسيرة معادلة معقدة: سلطة سياسية ضعيفة، وقوى مسلحة متنفذة، ووسطاء دوليون بلا أدوات تنفيذية. وفي ظل هذه المعادلة، تبدو خارطة الطريق نحو الانتخابات عرضة للتآكل التدريجي، ما لم تُتخذ خطوات حقيقية نحو توحيد المؤسسة العسكرية وفرض سيطرة الدولة على السلاح.
ليبيا اليوم تقف على مفترق طرق: إما السير نحو دولة القانون عبر توافق وطني شامل يضع الأمن في مقدمة الأولويات، أو العودة إلى فوضى الحرب الأهلية، التي لن تكون هذه المرة مجرد صراع داخلي، بل حرباً مفتوحة على الجغرافيا والموارد والنفوذ.







