يُظهر بيان المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان صورة قاتمة عن تواطؤ الصمت الدولي في المجال الرياضي تجاه ما يتعرض له القطاع الرياضي الفلسطيني في غزة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية قبل نحو 22 شهراً. فبينما تواصل إسرائيل تدمير البنية التحتية الرياضية وقتل الرياضيين بمعدلات يومية تقريباً، تمتنع الاتحادات الرياضية الدولية والقارية الكبرى، وفي مقدمتها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) واللجنة الأولمبية الدولية، عن اتخاذ أي خطوات تأديبية أو تعليق عضوية إسرائيل، ما يعكس ـ وفق المرصد ـ ازدواجية معايير صارخة وتطبيقاً انتقائياً للقوانين التي يفترض أنها تحكم الرياضة العالمية.
إخفاق أخلاقي ومؤسسي
المرصد يرى أن ما يحدث لا يقتصر على الإخلال باللوائح الداخلية لهذه المؤسسات، بل يتعداه إلى إخفاق أخلاقي ومؤسسي، خاصة أن بعض الرياضيين الإسرائيليين المشاركين في المحافل الدولية، مثل أولمبياد باريس 2024، لديهم خلفيات عسكرية أو أظهروا دعماً علنياً للإبادة في غزة. هذا الوضع يضع الاتحادات أمام اتهامات مباشرة بالرضوخ للضغوط السياسية وتجاهل مبادئ الحياد وحماية حقوق الإنسان، التي تتغنى بها الرياضة كقيمة عالمية.
الأرقام الواردة في البيان تكشف حجم الكارثة: 664 رياضياً فلسطينياً استشهدوا منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينهم 321 مسجلون في الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، إضافة إلى تدمير 264 منشأة رياضية، منها 184 تدميراً كاملاً، ما أدى إلى شلل كامل للنشاط الرياضي في القطاع. حتى في شهر واحد، كتموز/يوليو الماضي، فقدت غزة 40 رياضياً وكشافاً جراء القصف الإسرائيلي. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل تمثل انهياراً كاملاً لمشهد رياضي كان يعكس جزءاً من حياة المجتمع الفلسطيني وهويته الثقافية والاجتماعية.
إبادة الهوية الفلسطينية
المرصد يربط هذه الجرائم بسياسة ممنهجة لإبادة الهوية الفلسطينية عبر استهداف جميع مظاهر الحياة، بما فيها الرياضة، ويرى أن غياب أي رد من المؤسسات الرياضية الدولية يشكل نوعاً من “التطبيع الرياضي” مع الاحتلال، بما يحمله من رسائل سلبية للفلسطينيين وللرأي العام العالمي. ويذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن استمرار مشاركة إسرائيل في المنافسات، في ظل هذه الجرائم، يضفي شرعية على ممارساتها، ويشجعها على مواصلة الانتهاكات دون خشية من العقوبات.
وبينما يطالب المرصد بقرارات عاجلة لتعليق عضوية إسرائيل وحظر إقامة أي فعاليات رياضية على أراضيها، فإنه يدعو أيضاً إلى تشكيل لجان مستقلة لتوثيق الدمار والانتهاكات بحق الرياضيين، لضمان أن تبقى هذه الجرائم حاضرة في الذاكرة الدولية، وأن لا يُسمح بإعادة صياغة الرواية على نحو يطمس مسؤولية الجناة.
مأساة الرياضة الفلسطينية
يعكس هذا الملف تعارضاً حاداً بين المبادئ المعلنة للرياضة العالمية ـ كأداة للسلام والاحترام المتبادل ـ وبين واقع الممارسة الذي تحكمه حسابات سياسية وانتقائية فاضحة. هذه الفجوة بين القيم والشعارات من جهة، والقرارات الفعلية من جهة أخرى، تجعل من صمت الاتحادات الرياضية ليس مجرد حياد، بل شريكاً ضمنياً في استمرار مأساة الرياضة الفلسطينية، وامتداداً للظلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني بأسره.







