دخل المشهد السوري مرحلة سياسية وأمنية دقيقة، مع إعلان السلطات في دمشق التوصل إلى تفاهم جديد مع «قوات سوريا الديمقراطية» “قسد” في محافظة الحسكة، معقلها الأبرز في شمال شرقي البلاد، تزامناً مع وقف لإطلاق النار لمدة أربعة أيام، عقب تقدم القوات الحكومية في المنطقة.
مستقبل محافظة الحسكة
أوضحت الرئاسة السورية، في بيان رسمي، أن التفاهم شمل «عدداً من القضايا المتعلقة بمستقبل محافظة الحسكة»، مشيرة إلى الاتفاق على منح «قسد» مهلة أربعة أيام للتشاور الداخلي، بهدف إعداد خطة تفصيلية لآلية دمج المناطق عملياً ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وعلى إثر ذلك، أعلنت وزارة الدفاع وقفاً لإطلاق النار يبدأ من الساعة الثامنة من مساء أمس، في خطوة وُصفت بأنها تمهيدية لإعادة ترتيب الوضع الميداني والسياسي في شمال شرقي البلاد.
في موازاة ذلك، حمل الموقف الأميركي دلالات لافتة، إذ أعلن المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم برّاك، أن «الدور الوظيفي لقوات سوريا الديمقراطية كقوة رئيسية في مواجهة تنظيم داعش قد انتهى»، معتبراً أن القوات الحكومية السورية باتت مؤهلة لتولي ملف أمن السجون والمخيمات التي تضم عناصر التنظيم المتطرف وأفراد عائلاتهم، وهو ملف لطالما شكّل نقطة توتر إقليمية ودولية.
مسار جديد لاندماج الأكراد
وأشار براك إلى أن المرحلة الراهنة تفتح أمام الأكراد «مساراً جديداً للاندماج الكامل في دولة سورية موحدة»، بما يشمل حقوق المواطنة الكاملة، وحماية الهوية الثقافية، والمشاركة السياسية، وهي حقوق قال إنها حُرمت منها المكونات الكردية لفترات طويلة خلال حكم الرئيس السابق بشار الأسد، في إشارة إلى محاولة واشنطن تقديم الاتفاق بوصفه مدخلاً لحل سياسي أوسع، لا مجرد تسوية أمنية مؤقتة.
ويأتي هذا التطور وسط مشاهد إنسانية صعبة في المنطقة، حيث يحاول مدنيون عبور بنى تحتية متضررة، من بينها جسور في محافظة الرقة، وسط تبادل للاتهامات بين دمشق و«قسد» حول مسؤولية الدمار، ما يعكس حجم التعقيد الذي يحيط بأي مسار للاندماج وإعادة بسط سلطة الدولة.
جدير بالذكر أن محافظة الحسكة تعتبر واحدة من أكثر المناطق السورية تعقيداً من حيث التركيبة السكانية والتوازنات السياسية والعسكرية، إذ تضم مزيجاً من العرب والأكراد والسريان، وتكتسب أهمية استراتيجية لوقوعها في شمال شرقي البلاد واحتوائها على ثروات زراعية ونفطية، ومنذ اندلاع الأزمة السورية، تحولت الحسكة إلى ساحة تنافس بين أطراف محلية وقوى إقليمية ودولية، ما جعلها محوراً دائماً للتفاهمات المؤقتة والصدامات المحدودة.
الثقل السياسي لقسد
وبرزت «قوات سوريا الديمقراطية» “قسد” منذ عام 2015 لاعباً رئيسياً في المنطقة، بدعم مباشر من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، خصوصاً في معاركها ضد تنظيم «داعش»، وتمكنت «قسد» من فرض سيطرتها على مساحات واسعة في شمال شرقي سوريا، بما في ذلك مدن رئيسية مثل الرقة، التي كانت عاصمة «داعش» المعلنة، ما منحها ثقلاً عسكرياً وسياسياً تجاوز حدود الدور المحلي.
وفي المقابل، حافظت الحكومة السورية على وجود محدود في الحسكة، اقتصر في الغالب على مربعات أمنية ومؤسسات سيادية، مع تجنب صدام واسع مع «قسد» خلال السنوات الماضية، إلا أن تراجع تهديد «داعش» وتغير أولويات القوى الدولية، ولا سيما الولايات المتحدة، فتح الباب أمام إعادة طرح ملف دمج المناطق الخارجة عن سيطرة دمشق ضمن إطار الدولة المركزية، سواء عبر تفاهمات سياسية أو ترتيبات أمنية مرحلية.
كما شكل ملف السجون والمخيمات التي تضم آلافاً من عناصر «داعش» وعائلاتهم أحد أبرز مصادر القلق الدولي، إذ طالما حذرت عواصم غربية من مخاطر عودة التنظيم أو تفكك منظومة الاحتجاز.
ومع إعلان واشنطن أن القوات الحكومية السورية باتت قادرة على تولي هذا الملف، بدا أن هناك تحوّلاً في الموقف الأميركي تجاه الدور المستقبلي لـ«قسد»، وانتقالاً من الشراكة العسكرية إلى الدفع باتجاه حل سياسي – إداري.
جدير بالذكر أن التفاهمات الأخيرة تأتي في سياق أوسع من محاولات إعادة ترتيب المشهد السوري بعد سنوات من الجمود، وسط مساعٍ لإعادة توحيد الأراضي السورية، وإنهاء صيغ الحكم الذاتي غير المعلنة.




