بعد أكثر من عقد من الصراع الدموي، تقف سوريا اليوم على أعتاب مفترق طرق مصيري. الحرب التي اجتاحت البلاد منذ عام 2011 لم تترك فقط جروحًا إنسانية غائرة، بل دمرت أيضًا أسس الدولة بكل تفاصيلها؛ من مستشفيات ومدارس إلى شبكات الطرق والطاقة، مرورًا بالمصانع والحقول الزراعية وحتى الموارد الطبيعية، لتتحول مساحات واسعة من البلاد إلى أطلال صامتة تحكي مأساة إنسانية واقتصادية غير مسبوقة.
وفقًا لتقديرات عدة جهات اقتصادية وتقارير الأمم المتحدة، تتراوح كلفة إعادة إعمار سوريا بين 300 و800 مليار دولار، وهو رقم يضع مشروع إعادة الإعمار ضمن أكبر التحديات التنموية في العصر الحديث. لكن وسط هذا الركام الهائل، تبرز فرص فريدة لاستلهام تجارب دول أخرى استطاعت أن تنهض من تحت الرماد، وأبرزها تجربة لبنان في أعقاب الحرب الأهلية.
تقدم تجربة إعادة إعمار واجهة بيروت البحرية نموذجًا ملهمًا. في بداية التسعينات، أطلق الراحل رفيق الحريري مشروعًا طموحًا لردم البحر في منطقة “الكرنتينا” وسواحل أخرى، مستحدثًا أكثر من 1.1 مليون متر مربع من الأراضي الجديدة. هذه الأراضي لم تُستخدم فقط في بناء الأبراج السكنية الفاخرة والمراكز التجارية الحديثة، بل ساهمت أيضًا في جذب استثمارات أجنبية ضخمة أعادت وضع بيروت على خريطة العواصم الاقتصادية والسياحية في المنطقة. نجاح هذه التجربة لم يكن مجرد نتاج أعمال هندسية ضخمة، بل جاء نتيجة رؤية استراتيجية ربطت بين الإعمار الاقتصادي والدور الإقليمي للعاصمة اللبنانية.
بإسقاط هذه التجربة على المشهد السوري، تظهر فرص مماثلة في عدة مدن سورية مدمرة، لاسيما حلب وحمص وأجزاء من ريف دمشق. مشاريع استصلاح حضري مبتكرة، مثل ردم أجزاء من السواحل المتضررة أو استحداث مناطق عمرانية جديدة مكان الأحياء العشوائية المدمرة، قد تفتح آفاقًا غير متوقعة لإعادة بناء مدن حديثة أكثر كفاءة واستدامة. كما يمكن التفكير بإعادة تصميم مراكز المدن عبر شبكات مواصلات ذكية، ومساحات خضراء واسعة، واستثمارات في البنية التحتية الرقمية، مما يجعل من الإعمار ليس فقط عملية ترميم لما تهدم، بل انطلاقة نحو سوريا جديدة تواكب العصر.
إلى جانب ذلك، يشكل القطاع الزراعي، الذي عانى من أضرار بالغة بسبب الحرب، ركيزة حيوية في أي خطة لإعادة الإعمار الشامل. الاستثمار في تقنيات الزراعة الذكية، وإعادة تأهيل قنوات الري والسدود، قد يحوّل الريف السوري إلى خزان غذائي مزدهر، يعزز الأمن الغذائي الوطني ويوفر فرص عمل ضخمة للعائدين. التجارب العالمية، من رواندا إلى فيتنام، أظهرت أن الزراعة الحديثة يمكن أن تكون محرّكًا أساسيًا للتنمية الاقتصادية في البلدان الخارجة من الصراعات.
كما أن إدماج مشاريع الطاقة المتجددة ضمن خطط الإعمار قد يشكل قفزة نوعية في مشهد الطاقة السوري، الذي كان يعتمد قبل الحرب بشكل رئيسي على النفط والغاز التقليديين. الشمس الساطعة والرياح القوية في بعض مناطق سوريا تمثلان ثروة طبيعية يمكن أن تضع البلاد في موقع ريادي بمجال الطاقة النظيفة إذا تم استغلالهما بذكاء.
غير أن تحقيق هذه الرؤية الطموحة يبقى مشروطًا بجملة من العوامل السياسية والاقتصادية المعقدة. فبدون استقرار سياسي حقيقي، ومصالحة وطنية واسعة النطاق، وإرادة دولية لدعم سوريا بعيدًا عن أجندات التدخل والمصالح الضيقة، ستبقى مشاريع الإعمار رهينة الحسابات الجيوسياسية، كما حصل مع بلدان أخرى مزقتها الحروب ولم تنجح في استعادة عافيتها.
في النهاية، الدمار الذي خلفته الحرب في سوريا مهول ومخيف، لكن الفرصة لإعادة بناء بلد أقوى وأكثر حداثة لا تزال قائمة. التجربة اللبنانية في تحويل الأنقاض إلى فرص اقتصادية تشكل درسًا ثمينًا، يؤكد أن الإرادة السياسية والرؤية المستقبلية قادرتان على تحويل الخراب إلى قصة نهوض جديدة، وأن من تحت الرماد يمكن أن تولد حياة نابضة بالأمل والعمل.







