تُعد «عقوبات قيصر» إحدى أكثر أدوات الضغط الأميركي تعقيداً وتأثيراً في الملف السوري منذ دخول البلاد في أتون الحرب قبل أكثر من عقد. ورغم مرور سنوات على فرضها، فإنها ما تزال تمثل نقطة انقسام حاد في واشنطن بين مؤسسات صنع القرار، وبين مشرعين يرون فيها ضرورة أخلاقية وسياسية لمنع النظام السوري من الإفلات من العقاب، وبين آخرين يعتبرون استمرارها في الظروف الحالية عائقاً أمام الاستقرار وإعادة الإعمار، بل وعقبة أمام إنجاح الانتقال السياسي الجديد الذي تشهده البلاد، وفق الطرح الذي تروج له بعض الدوائر الأميركية. وفي ضوء هذه الخلفيات المتشابكة، تجد الإدارة الأميركية نفسها أمام معادلة صعبة: هل يُفترض الإبقاء على العقوبات كأداة ضغط، أم تجاوزها لتسهيل بدء مرحلة جديدة في سوريا؟
أسباب رفض إلغاء عقوبات قيصر
من الأسباب الرئيسية لرفض إلغاء «عقوبات قيصر» داخل الكونغرس وجود اعتقاد راسخ لدى عدد من المشرعين بأن رفع العقوبات دون شروط سيعطي النظام السوري – أو السلطة الجديدة أياً كانت طبيعتها – متنفساً واسعاً لاستعادة السيطرة الكاملة دون تقديم أي تنازلات سياسية أو حقوقية. فالقانون، الذي استند أساساً إلى تسريبات «قيصر» التي أظهرت انتهاكات واسعة النطاق بحق المعتقلين، ارتبط في الوعي السياسي الأميركي بقضية المساءلة والعدالة ومنع تكرار جرائم الحرب. ولهذا، يرى الكثير من أعضاء الكونغرس أن أي خطوة لإلغاء العقوبات ينبغي أن تكون مشروطة بمسار واضح قابل للتحقق، يضمن عدم عودة ممارسات النظام السابق. رفض الإلغاء هنا ليس مجرد موقف سياسي، بل جزء من خطاب أخلاقي يستند إلى سردية حماية المدنيين ومنع الإفلات من العقاب، الأمر الذي يجعل من التراجع عن هذه العقوبات دون مقابل مخاطرة سياسية لا يرغب عدد من المشرعين في تحملها.
إلى جانب ذلك، هناك مخاوف داخل الكونغرس من أن يؤدي رفع العقوبات إلى تمكين أطراف إقليمية ودولية، وعلى رأسها روسيا وإيران، من تعزيز نفوذها في سوريا. فالعقوبات الحالية لا تفرض عزلة اقتصادية فحسب، بل تضع قيوداً مباشرة على قدرة حلفاء دمشق على الاستثمار والدخول إلى السوق السورية، وهو ما يعده البعض أداة ضغط جيوسياسية فعالة. وبالنسبة لهؤلاء المشرعين، فإن إلغاء العقوبات قد يُفسر كتنازل مجاني يمكّن موسكو وطهران اقتصادياً وسياسياً، ويقلص من قدرة واشنطن على التأثير في موازين القوى داخل البلاد، خصوصاً في ظل المنافسة المحتدمة على النفوذ في الشرق الأوسط. هذا البعد الجيوسياسي يُعد عاملاً حاسماً في رفض الإلغاء، ويعززه أيضاً غياب ضمانات حول كيفية تعامل الحكومة السورية الجديدة مع النفوذ الخارجي.
تحدي استراتيجي يقف في وجه الانفتاح الاقتصادي
كما تخشى بعض الأصوات داخل المؤسسات الأميركية من أن يؤدي إلغاء «قيصر» إلى عودة الاقتصاد السوري إلى نمط الفساد والشبكات المالية غير الرسمية التي لطالما شكّلت أحد أعمدة النظام السابق. فالتجارب السابقة في المنطقة تشير إلى أن رفع العقوبات دون وجود آليات رقابة قوية يؤدي غالباً إلى امتصاص النخب الحاكمة لأي تدفقات مالية جديدة، دون أن يتغير الواقع الإنساني أو الاقتصادي للمواطنين. وبالنسبة للمشككين، فإن النظام السياسي – حتى وإن تغير بعض رموزه – لم يشهد بعد تحوّلاً جذرياً يبرر الثقة في قدرته على إدارة اقتصاد أكثر شفافية أو عدالة. وبالتالي، فإن رفع العقوبات، في نظرهم، لا يعني بالضرورة تحسين الأوضاع الإنسانية، بل قد يؤدي إلى إعادة إنتاج شبكات المحسوبية التي كانت سبباً رئيسياً في انهيار بنية الدولة السورية.
ورغم ذلك، يبرز تيار آخر داخل الإدارة الأميركية وخارجها يرى أن استمرار «قيصر» يشكل عقبة حقيقية أمام استقرار سوريا، وأن بقاءه يُعقّد جهود إعادة الإعمار ويعرقل أي مسار سياسي أو اقتصادي جديد. هذا الموقف يظهر بوضوح في تصريحات باحثين ومختصين، مثل تشارلز ليستر وروبرت فورد وجوشوا تابلر، الذين يشيرون إلى أن العقوبات باتت تمثل تحدياً استراتيجياً يقف في وجه الانفتاح الاقتصادي المطلوب لبدء مرحلة انتقال سياسي مستقرة. ويؤكد هؤلاء أن وجود آلية «سناب باك»، التي تسمح بإعادة فرض العقوبات في أي لحظة، يجعل المؤسسات المالية تمتنع عن التعامل مع سوريا، مما يشل قدرة الحكومة على بناء اقتصاد قابل للحياة. وبالنظر إلى ضغط الأزمة الإنسانية، فإن إبقاء الاقتصاد السوري في حالة حصار شبه كامل لن يؤدي إلا إلى زيادة الاحتقان الاجتماعي، وخلق بيئة غير مستقرة يمكن أن تنفجر في أي لحظة.
تسوية سياسية داخل الكونغرس
في هذا السياق، يمثل الوضع الإنساني المتدهور في سوريا دافعاً رئيسياً لإعادة النظر في العقوبات. فالعقوبات، رغم أنها لا تستهدف السلع الإنسانية مباشرة، تخلق مناخاً اقتصادياً يجعل من الصعب على السوريين توفير احتياجاتهم الأساسية من غذاء ودواء وطاقة. البنوك وشركات الشحن والمؤسسات التجارية تتجنب التعامل مع سوريا خوفاً من التعرض للمساءلة، مما يؤدي إلى ارتفاع التكاليف وتراجع الاستثمارات، وبالتالي استمرار تدهور مستوى المعيشة. هذا الواقع يعزز حجج المطالبين بإلغاء «قيصر»، الذين يرون أن العقوبات الجماعية لا تعاقب النظام وحده، بل تعمق معاناة المواطنين وتدفع بالمجتمع إلى مزيد من الهشاشة، وهو ما يُعد تهديداً مباشراً لأي فرصة للاستقرار.
وفي ظل هذه المواقف المتعارضة، تظهر الحاجة لوجود تسوية سياسية داخل الكونغرس، وهو ما لمّح إليه جوشوا تابلر الذي توقّع التوصل إلى اتفاق لإلغاء العقوبات مقابل بعض الشروط غير الملزمة، مثل تقديم تقارير دورية للكونغرس حول أداء الحكومة السورية. هذا النوع من التسويات يعكس إدراكاً داخل دوائر صنع القرار بأن المسار الحالي غير قابل للاستمرار، وأن العقوبات لم تعد تحقق الأهداف التي فرضت من أجلها، خاصة بعد التغيرات الكبيرة في المشهد السياسي السوري. ومع ذلك، فإن نجاح مثل هذه التسوية يعتمد على قدرة الحكومة الأميركية على إقناع المشككين بأن إلغاء العقوبات لن يعني التخلي عن أدوات الضغط، بل استبدال «قيصر» بأدوات أخرى أكثر مرونة ودقة.
تعميق الأزمات الاقتصادية والإنسانية
تأثير «عقوبات قيصر» على استقرار سوريا يتجاوز الجانب الاقتصادي؛ فهي تؤثر في طبيعة التوازنات الداخلية والخارجية. فمن جهة، تساهم في إبقاء الاقتصاد السوري في حالة شلل، مما يمنع أي تحول سياسي من الوصول إلى مرحلة الاستدامة. ومن جهة أخرى، تعزز اعتماد الحكومة السورية على حلفائها الإقليميين، مما يحد من استقلالية القرار السياسي ويؤخر عودة سوريا إلى محيطها العربي والدولي. وبين هذين المستويين، يتعرض المواطن السوري لضغط متزايد، يجعل من أي إصلاحات سياسية أو اقتصادية مساراً بالغ الصعوبة. فالاستقرار السياسي يتطلب استقراراً اقتصادياً، والأخير يكاد يكون مستحيلاً في ظل نظام العقوبات الحالي والمخاوف المصاحبة له.
أسباب رفض إلغاء عقوبات «قيصر» ترتبط بمزيج من الاعتبارات الأخلاقية والسياسية والجيوسياسية، بينما تأثيرها على استقرار سوريا أصبح واضحاً في تعميق الأزمات الاقتصادية والإنسانية. ومع استمرار الجدل داخل الكونغرس، تبدو سوريا عالقة بين رغبة في الانطلاق نحو مرحلة جديدة وواقع اقتصادي خانق يمنع أي خطوات حقيقية نحو التعافي. ورغم الجهود الأميركية والسورية لإقناع المشرعين بإلغاء العقوبات، يبقى مستقبل «قيصر» مرهوناً بقدرة واشنطن على إيجاد صيغة توازن بين الحفاظ على أدوات الضغط وضمان استقرار سوريا بطريقة لا تُبقي الشعب رهينة العقاب.






