تبدو سوريا مرة أخرى في مفترق طرق، لكن هذه المرة ليس فقط بسبب الحرب أو المواجهة العسكرية، بل بسبب محاولة دمشق إعادة ضبط واقع جغرافي وسياسي تأسس على مدار سنوات من الصراع. فبعد أن سيطرت قوات سوريا الديمقراطية على مناطق واسعة في شمال شرق البلاد، جاءت المحادثات بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي كاختبار حقيقي لإمكانية حل “القضية الكردية” عبر مسار سياسي. غير أن ما كان يُفترض أن يكون نقطة تحول نحو تسوية سلمية انتهى بفشل تفاوضي، ورفع سقف التوتر إلى اشتباكات جديدة، وتزايد مخاوف من أن تتحول سوريا إلى ساحة اشتعال إضافية على حدود تركيا.
فشل المفاوضات: استسلام أم تفاوض؟
المفاوضات التي جرت في دمشق كانت، من منظور دمشق، فرصة لاستعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية، بعد سنوات من تراجع الوجود الحكومي في شمال شرق البلاد. أما من منظور الأكراد، فكانت محاولة أخيرة لتثبيت مكتسبات الحكم الذاتي التي بنيت خلال الحرب الأهلية، بدعم أمريكي في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية. لكن الخلاف كان عميقًا منذ البداية: دمشق رفضت أي شكل من أشكال اللامركزية أو الفيدرالية، واعتبرت أن الحل الوحيد هو عودة الجيش السوري إلى كامل الأراضي، وهو شرط لا يتوافق مع رؤية الأكراد الذين يعتبرون أن وجودهم الإداري والعسكري ليس مجرد واقع ميداني، بل هو تعبير عن واقع سياسي واجتماعي شكلته سنوات من الحرب.
دمشق تستخدم الحوار كغطاء للتقدم العسكري
عندما أعلن عبد الكريم عمر، المسؤول الكردي الرفيع، فشل المفاوضات، لم يكن ذلك مجرد تصريح إعلامي. بل كان إشارة واضحة إلى أن دمشق لم تذهب إلى طاولة الحوار بهدف “تسوية”، بل بهدف فرض “استسلام غير مشروط”، كما وصفها عمر. وهذا الوصف يوضح أن ما جرى في دمشق لم يكن تفاوضًا على تسوية متبادلة، بل محاولة لفرض شروط طرف واحد.
وفي هذه اللحظة، يصبح السؤال الأهم: هل فشل المفاوضات يعني أن الحل السياسي أصبح مستحيلًا، أم أنه مجرد تأجيل لمرحلة أكثر عنفًا؟ الواقع يشير إلى أن الطريق إلى حل سياسي لا يزال مغلقًا، ليس بسبب ضعف الإرادة، بل بسبب اختلاف الرؤى الأساسية حول مستقبل سوريا، وحول طبيعة العلاقة بين الدولة والمكونات التي تشكلت خلال سنوات الحرب.
واشنطن تراقب من بعيد: اتصال ترامب والشرع
في اتصال هاتفي بين الشرع والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تم التأكيد على أهمية ضمان حقوق الشعب الكردي ضمن الدولة السورية، مع الحفاظ على وحدة الأراضي السورية. هذا التأكيد الأمريكي يضع واشنطن في موقف صعب: فهي تدعم الأكراد عسكريًا في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، لكنها في الوقت ذاته لا تريد أن تُتهم بدعم انفصال أو تقسيم سوريا، خصوصًا في ظل توازنات دولية معقدة.
على الأرض: قتال متجدد وتهديد لوقف إطلاق النار
رغم إعلان وقف إطلاق النار، تجدد القتال في مدينة الرقة الشمالية، ثم تحركات عسكرية باتجاه الحسكة. هذه التطورات تكشف أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه قبل أيام كان هشًا بطبيعته، وأنه لا يملك آليات تنفيذ قوية أو ضمانات كافية لوقف التصعيد بشكل دائم.
تعبئة “قسد” والمجتمع المحلي: الحرب تصبح قضية شعبية
دعوة “قسد” للشباب، رجالًا ونساءً، للانضمام إلى المقاومة، واستجابة بعض المدنيين بحمل السلاح في الحسكة، تشير إلى أن المجتمع المحلي دخل في حالة “تعبئة” قد تخرج الأمور عن السيطرة. وهذا يرفع خطر تصعيد محلي سريع، خصوصًا إذا ما ترافق مع تحركات تركية أو ردود فعل من فصائل عربية محلية، أو حتى من تنظيمات مرتبطة بتركيا أو بروسيا.
دير الزور والرقة: السكان يريدون الاستقرار لا السياسة
في دير الزور، يعبر السكان عن إرهاق عميق، ويريدون فقط الاستقرار بعد سنوات من النزاع، وهو ما يضع أي تسوية مستقبلية أمام تحدي كبير: كيف يمكن لدمشق إعادة فرض سيطرتها دون أن تثير رفضًا شعبيًا جديدًا؟ وكيف يمكن للأكراد أن يتخلوا عن مواقعهم العسكرية والإدارية دون أن يشعروا أنهم يخسرون هويتهم ومكاسبهم؟
إعادة تشكيل الولاءات: دمشق تعيد توزيع النفوذ على الأرض
الانسحابات التي جرت بالفعل من مواقع استراتيجية مثل حقل العمر النفطي، وتحول السيطرة إلى فصائل عربية محلية تحالفت سابقًا مع “قسد”، تُظهر أن دمشق تحاول إعادة تشكيل “الولاء” على الأرض. فبدل إدارة مباشرة من “قسد”، يمكن أن تعتمد دمشق على حلفاء محليين، ما يقلل من احتمالات عودة “قسد” كقوة مستقلة. وهذا قد يكون جزءًا من استراتيجية دمشق لتفكيك البنية السياسية التي شكلتها “قسد” خلال سنوات الحرب.
شكوك حول الاستدامة: هل انتهت مرحلة الاتفاقات؟
حتى لو تم توقيع اتفاقات جديدة، فإنها ستبقى هشّة إذا لم تضمن مشاركة سياسية حقيقية، وإلا فإن التوتر سيعود بقوة. فالاتفاقات السابقة لم تلبِ تطلعات الأكراد، وما زال هناك شعور واسع بالخوف من إعادة “إخضاع” وليس “حل”.
التوتر مع تركيا: حدود قد تتحول إلى جبهة جديدة
أنقرة، التي لديها أقلية كردية كبيرة داخلها، ترى في أي تحرك كردي في سوريا تهديدًا مباشرًا لأمنها. وتحذيرات وزير الداخلية التركي من أي “استفزاز” تعكس رغبة تركيا في عدم السماح بأي تحول يرفع من نفوذ الأكراد. وهذا يجعل أي تصعيد في سوريا قابلاً لأن يتحول إلى توتر إقليمي أو حتى مواجهة محدودة بين أنقرة و”قسد”، أو بين أنقرة ودمشق في حال اعتبرت أن تحركات دمشق تهدد مصالحها.
كيف ستتطور الأزمة؟ قراءة مستقبلية
السيناريو الأكثر احتمالاً في الأشهر المقبلة هو استمرار التوترات والاشتباكات المتقطعة، مع محاولات دمشق لفرض السيطرة، ومحاولات كردية للحفاظ على ما يمكن حفظه، وتدخلات إقليمية متوازنة بين روسيا وتركيا وأمريكا. وفي هذه الحالة، ستبقى سوريا ساحة معقدة، حيث تتداخل الحرب مع السياسة، وتختلط الأهداف المحلية مع الضغوط الإقليمية، وتبقى “الاستقرار” مطلبًا صعب المنال، لكنه أيضًا أكثر ما يحتاجه السكان في شمال شرق البلاد.




