في تحرك جديد يعكس تغيرًا في ديناميكية التعامل الدولي مع الملف الليبي، أعلنت المحكمة الجنائية الدولية أنها كثّفت جهودها للتحقيق في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت في ليبيا، وألمحت إلى أن قائمة المطلوبين ستتوسع لتشمل قيادات ميليشياوية بارزة في مناطق مختلفة من البلاد، خاصة تلك التي تُتهم بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين والمهاجرين.
طوفان الاتهامات.. والميليشيات في مرمى المحكمة
خلال جلسة استماع أمام مجلس الأمن الدولي، قدم المدعي العام للمحكمة الجنائية كريم خان إحاطة قوية، قال فيها إن هناك أدلة متزايدة على ارتكاب جرائم بشعة في سجون ومراكز احتجاز غير قانونية تديرها جماعات مسلحة، بعضها يرتبط بمصالح سياسية واقتصادية داخل ليبيا وخارجها.
وأشار خان إلى أن التحقيقات لا تقتصر فقط على فاعلين سابقين في النظام الليبي السابق، بل تشمل أيضًا أفرادًا ينتمون لـ”قوى الأمر الواقع” حاليًا، في إشارة إلى قادة ميليشيات تتحكم بمناطق واسعة.
دعم أممي واسع.. ومطالبات بتسليم المطلوبين
لاقى موقف المحكمة دعمًا من عدد من الدول الأعضاء في مجلس الأمن، حيث شددت الوفود الأوروبية على أهمية إنهاء الإفلات من العقاب، مؤكدين أن الاستقرار في ليبيا لا يمكن أن يتحقق دون محاسبة المتورطين في الجرائم والانتهاكات.
من جهته، دعا خان السلطات الليبية إلى تسليم الأفراد المطلوبين للمحكمة، وعدم عرقلة عملها، مشيرًا إلى أن رفض التعاون قد يؤدي إلى تصعيد دولي ضد بعض المسؤولين الليبيين.
جرائم ضد المهاجرين.. تركيز متجدد على معاناة صامتة
لفت المدعي العام إلى أن المحكمة تسلط الضوء على الجرائم المرتكبة بحق المهاجرين واللاجئين في ليبيا، خاصة في مراكز الاحتجاز التي تديرها مجموعات مسلحة وتُعرف بسوء المعاملة والاتجار بالبشر.
وأوضح أن المحكمة جمعت شهادات صادمة من ناجين من تلك المراكز، تتضمن تفاصيل عن تعذيب واغتصاب وتجويع وحرمان من الرعاية الصحية، في ظل غياب أي رقابة حكومية أو دولية حقيقية.
عودة ملف القذافي الابن.. هل يُبعث من جديد؟
رغم عدم التطرق إليه صراحة في الإحاطة الأخيرة، إلا أن مراقبين يربطون التصعيد الجديد للمحكمة بملف سيف الإسلام القذافي، المطلوب من قبل المحكمة منذ سنوات بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال أحداث 2011.
الاهتمام المتجدد بتحريك الملفات المتوقفة قد يعيد القذافي الابن إلى صدارة المشهد، خاصة مع استمرار غموض موقفه القانوني داخل ليبيا، وتردد السلطات في تسليمه أو محاكمته داخليًا.
موقف ليبي حذر.. وتباين بين السلطات
في المقابل، لم تُصدر السلطات الليبية حتى الآن موقفًا موحدًا إزاء تصريحات المحكمة، وسط انقسام سياسي بين الشرق والغرب، وتباين في الرؤى بشأن التعاون مع الهيئات القضائية الدولية.
بعض الأصوات في الداخل ترى أن المحكمة تمارس “تسييسًا انتقائيًا” في ملفاتها، بينما يدعو آخرون إلى التعامل معها كأداة لضبط الفوضى والمحاسبة، خصوصًا في ظل غياب قضاء محلي قادر على التعامل مع الجرائم الكبرى.
سيناريوهات محتملة.. هل تقترب ساعة الحساب؟
تحركات المحكمة الجنائية الدولية تفتح الباب أمام عدة سيناريوهات، أبرزها صدور مذكرات توقيف جديدة بحق شخصيات ليبية عسكرية أو أمنية، وزيادة الضغوط الدولية على السلطات لتسليم المتهمين، واستقطاب سياسي داخلي حول شرعية التعاون مع المحكمة.
لكن المراقبين يتفقون على أن مرحلة الإفلات من العقاب قد تكون انتهت فعليًا، وأن المجتمع الدولي بدأ يستعيد أدوات الضغط في ليبيا، بعد سنوات من الغياب أو التردد.







