تشير أحدث التقارير الصادرة عن منظمات الأمم المتحدة إلى تفاقم غير مسبوق في الأزمة الإنسانية بقطاع غزة، في ظل حصار مشدد وإغلاق شامل للمعابر من قبل إسرائيل منذ مارس/آذار 2025، وما يرافقه من تجويع ممنهج أدى إلى تصاعد التحذيرات من مجاعة كارثية تهدد حياة السكان، خصوصاً النساء والأطفال.
ففي بيان مشترك، أعلنت منظمات أممية أن نحو مليون امرأة وفتاة في قطاع غزة يواجهن خطر المجاعة، في وقت لا تزال فيه كميات المساعدات الإنسانية الواصلة إلى القطاع دون الحد الأدنى المطلوب للاستجابة لاحتياجات السكان. وقد أشار برنامج الأغذية العالمي إلى أن الجهود لإيصال الإمدادات تواجه عراقيل مستمرة، موضحاً أنه لم يحصل على التصاريح اللازمة لنقل الكميات المطلوبة إلى داخل القطاع، بالرغم من مزاعم إسرائيل بتخفيف القيود.
السيناريو الأسوأ للمجاعة
التحذيرات الأممية المتكررة تكتسب بعداً أكثر خطورة في ضوء التقرير الأخير الصادر عن “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي”، الذي صنّف الوضع في غزة على أنه يقترب من السيناريو الأسوأ للمجاعة، مشيراً إلى أن البيانات الحالية تؤكد بلوغ استهلاك الغذاء حد المجاعة في معظم أرجاء القطاع، بينما تُسجَّل أعلى مستويات سوء التغذية الحاد في مدينة غزة. كما أفاد التقرير بأن معدلات الوفيات المرتبطة بالجوع في تصاعد، بسبب التفاعل الكارثي بين سوء التغذية والأمراض.
ولا تقتصر الأزمة على نقص الغذاء فقط، بل تمتد إلى غياب المواد الأساسية مثل حليب الأطفال، ما فاقم من معاناة الرضع الذين تُهدَّد حياتهم يومياً بسبب نقص التغذية. وأكد الدكتور محمد أبو عفش، مدير الإغاثة الطبية في غزة، أن حليب الأطفال لم يدخل إلى القطاع منذ أربعة أشهر، ما يعرّض حياة عدد متزايد من الأطفال للخطر.
انهيار بنية الأمن الغذائي
ورغم الإدانات الدولية المتكررة، فإن الإجراءات الفعلية على الأرض لا تزال غائبة، وهو ما دفع مسؤولاً في لجنة الطوارئ بغزة إلى القول إن ما يدخل القطاع من مساعدات لا يكفي سوى لسد احتياجات نصف يوم فقط. كما وجّه نداءً إلى الدول العربية لتجاوز مرحلة الإدانة واتخاذ مواقف عملية لوقف الإبادة والتجويع، أو على الأقل ترك المجال للشعوب للتحرك.
من جهة أخرى، أكّد برنامج الأغذية العالمي أن معدلات سوء التغذية لدى الأطفال دون سن الخامسة ارتفعت أربع مرات، وهو مؤشر على انهيار بنية الأمن الغذائي في غزة، وتقدم الأزمة نحو مراحل متقدمة من المجاعة حسب التصنيف الدولي. وشدد البرنامج على أن الوقت ينفد لإطلاق استجابة إنسانية شاملة، محذرًا من أن استمرار الانغلاق سيؤدي إلى كارثة أكبر في غضون أسابيع.
حرب إبادة جماعية
ووفقاً لمعطيات وزارة الصحة في غزة، فإن حصيلة شهداء الحصار والتجويع ارتفعت إلى 147 شهيداً، من بينهم 88 طفلاً، منذ بدء الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023. وتُضاف هذه الأرقام إلى حصيلة أكبر من الشهداء والجرحى جراء القصف والدمار، حيث تخطّى عدد الضحايا 205 آلاف، بالإضافة إلى أكثر من 9 آلاف مفقود ومئات آلاف النازحين.
كل هذه المؤشرات تعكس اتساع دائرة الكارثة في قطاع غزة، حيث باتت المجاعة والدمار والحصار تشكل عناصر متداخلة في حرب إبادة جماعية تُشنّ على السكان المدنيين. وبينما تتصاعد الدعوات لتدخل دولي فوري، لا تزال الاستجابة دون المستوى، ويبدو أن المجتمع الدولي يقف عاجزاً أمام واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، وسط دعم سياسي وعسكري أميركي مستمر لإسرائيل، ما يطرح تساؤلات جدية حول حدود القانون الدولي وجدوى المنظومة الإنسانية العالمية في حماية الشعوب تحت الحصار والاحتلال.






