في مشهد يعكس عمق التحولات في العلاقات الدولية، استقبل الرئيس الصيني شي جينبينغ رئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين في قاعة الشعب الكبرى ببكين، في زيارة وُصفت بأنها «استراتيجية الطابع» و«مفعمة بالدلالات».
زيارة في توقيت حساس
اللقاء، الذي يأتي بعد سلسلة اجتماعات اقتصادية ودبلوماسية بين البلدين، لم يكن مجرد بروتوكول رسمي، بل إشارة واضحة إلى أن بكين وموسكو تمضيان في طريق شراكة تتجاوز حدود الاقتصاد نحو بناء محور سياسي متماسك في مواجهة الغرب.
على مدى السنوات الثلاث الماضية، تحوّلت العلاقة بين القوتين إلى ما يشبه «زواج المصلحة» الذي جمع بين التنين الصيني والدب الروسي في لحظة اشتداد الاستقطاب العالمي، فبينما تسعى موسكو لتفادي تبعات العقوبات الغربية الخانقة، تواصل بكين استثمار الأزمة الأوكرانية لتعزيز نفوذها الاقتصادي والجيوسياسي في آنٍ واحد.
ورغم الطابع الاقتصادي المعلن للزيارة، فإن الرسائل السياسية التي بثتها من قاعة الشعب في بكين كانت أوضح من أن تُخفى. فالتأكيد المتكرر من الجانبين على «حماية المصالح الأمنية المشتركة» بدا وكأنه ردّ غير مباشر على استراتيجية الاحتواء الأميركية، وعلى سياسات الغرب التي تضع الصين وروسيا في خانة واحدة.
اللقاء الأخير بين الجانبين في أغسطس الماضي بموسكو كان قد فتح الباب لتفاهمات اقتصادية واسعة، لكن اجتماع بكين الأخير يُعتقد أنه نقلة نوعية في مسار الشراكة، خصوصاً مع اشتداد الحرب في أوكرانيا، وتزايد التوتر في بحر الصين الجنوبي وتايوان.
تحالف الضرورة أم مشروع الهيمنة المشتركة؟
في جوهر الزيارة، يتقاطع الاقتصاد بالسياسة في معادلة معقدة يحاول الطرفان صياغتها على أسس جديدة. الصين التي تواجه ضغوطاً أميركية متزايدة على جبهات التكنولوجيا وسلاسل التوريد، ترى في روسيا شريكاً يوفر لها موارد الطاقة بأسعار تفضيلية ومجالاً استراتيجياً لتعزيز نفوذها في آسيا الوسطى.
في المقابل، تبدو موسكو أكثر اعتماداً على بكين من أي وقت مضى، سواء في تصدير الطاقة أو في تجارة السلاح أو حتى في منظومة المدفوعات البديلة بعد العقوبات الغربية.
هذا التداخل المتزايد بين اقتصادين بحجم الصين وروسيا يجعل العلاقة أقرب إلى تحالف فعلي، وإن لم يُعلن رسميّاً.
لكن خلف هذا التقارب، يدور جدل واسع في الأوساط الغربية حول ما إذا كانت هذه العلاقة قائمة على التكافؤ أم على هيمنة صينية متصاعدة، فبكين، التي تملك اقتصاداً يفوق حجم نظيره الروسي بأضعاف، تدرك أن موسكو بحاجة إليها أكثر مما هي بحاجة لموسكو، وهو ما يمنحها قدرة تفاوضية هائلة.
ومع ذلك، فإن الطرفين يدركان أن مصلحتهما المشتركة الآن تكمن في تشكيل توازن جديد أمام الغرب، خصوصاً بعد أن تحوّل ملف أوكرانيا إلى اختبار حقيقي لاستدامة الشراكة «بلا حدود».
عناوين الاقتصاد.. اليوان في مواجهة الدولار
من بين أبرز ما خرجت به المحادثات، التأكيد على مواصلة استخدام اليوان الصيني في التسويات التجارية بين البلدين، وهي خطوة تُعدّ بمثابة تحدٍ مباشر لهيمنة الدولار على التجارة الدولية، فقد ارتفع حجم التبادلات باليوان إلى مستويات قياسية، ما منح الصين فرصة لتوسيع دائرة نفوذ عملتها خارج حدودها التقليدية.
أما في قطاع الطاقة، فقد اتفق الجانبان على تعزيز خطوط الإمداد باتجاه الشرق، بما في ذلك مشروع «قوة سيبيريا 2»، الذي سيضاعف صادرات الغاز الروسي إلى الصين خلال الأعوام المقبلة.
هذا التعاون، وإن كان يحقق مصلحة اقتصادية لموسكو، فإنه في الوقت نفسه يعزز قدرة بكين على تأمين مصادر طاقة مستقرة في ظل اضطرابات السوق العالمية.
ولا يغيب البعد التكنولوجي عن المشهد، حيث تسعى موسكو إلى تعويض حرمانها من التقنيات الغربية عبر التعاون مع الشركات الصينية في مجالات الذكاء الاصطناعي وشبكات الاتصالات والبنية الرقمية.
بكين من جانبها تجد في ذلك فرصة لتوسيع نفوذها التكنولوجي نحو الشمال الأوراسي.
كل تلك الملفات تعكس رغبة الطرفين في تجاوز مرحلة «التبادل التجاري» نحو بناء «منظومة اقتصادية موازية» للنظام الغربي القائم، وهو ما تعتبره واشنطن تهديداً مباشراً لترتيبات ما بعد الحرب الباردة.
ردود الفعل الغربية.. قلق يتصاعد بصمت
في العواصم الغربية، أثارت صور المصافحة بين شي وميشوستين في بكين موجة من التحليلات المتناقضة. فبينما يرى البعض أن الصين لا ترغب في تحالف عسكري مباشر مع روسيا خشية العقوبات، يحذر آخرون من أن التقارب الحالي قد يتحول إلى اصطفاف استراتيجي طويل الأمد.
واشنطن، التي تراقب عن كثب تطورات العلاقات بين بكين وموسكو، ترى في هذا التقارب تهديداً مزدوجاً: اقتصادياً عبر كسر هيمنة الدولار، وسياسياً عبر بناء تكتل يناهض النفوذ الأميركي في آسيا وأوروبا، أما الاتحاد الأوروبي فيجد نفسه في موقف حرج، إذ لا يريد خسارة علاقاته الاقتصادية مع الصين، وفي الوقت نفسه لا يستطيع تجاهل الدعم الصيني غير المعلن لروسيا.
على الجانب الآخر، تحاول دول الجنوب العالمي قراءة هذا التقارب من زاوية مختلفة، فبينما يعتبره البعض نموذجاً لعالم متعدد الأقطاب، يحذّر آخرون من أن يؤدي إلى سباق تسلح جديد يعيد أجواء الحرب الباردة إلى الواجهة.
وفي ظل هذا التوازن الحرج، يبدو أن كل خطوة صينية – روسية باتت تُقرأ في الغرب كجزء من “خطة كبرى” لإعادة صياغة النظام الدولي.
تحالف عقلاني لا أيديولوجي
يقول د. لي وانغ، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة تسينغهوا وانغ إن ما يجمع الصين وروسيا اليوم ليس الأيديولوجيا كما كان في خمسينيات القرن الماضي، بل المصالح البحتة. فالعالم، برأيه، يعيش مرحلة «تحول براغماتي» تجعل الدول الكبرى تتخلى عن الشعارات، وتبحث عن الضمانات الواقعية لمصالحها الاقتصادية والأمنية.
ويرى وانغ أن بكين تدرك تماماً أن الدخول في تحالف عسكري معلن مع موسكو سيجرّها إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن، وهو ما لا تريده في الوقت الحالي، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع ترك روسيا تسقط تحت ضغط الغرب، لأن ذلك سيضعف الموقف الصيني في التوازن الدولي.
ويؤكد أن «الشراكة بلا حدود» لا تعني تحالفاً مطلقاً، بل مساحة واسعة من المرونة تسمح للطرفين بالتعاون العميق دون الالتزام الكامل. بكين – كما يضيف – تنظر إلى موسكو كشريك في إعادة بناء النظام الدولي، وليس كحليف في الحرب.
وبحسب وانغ، فإن مستقبل العلاقة سيعتمد على مدى قدرة الطرفين على الحفاظ على هذه «المعادلة الدقيقة»: دعم متبادل دون اندماج كامل، وشراكة استراتيجية دون تحالف رسمي.
من التبعية إلى التكامل
ويرى سيرغي كاراغانوف، باحث روسي في الشؤون الاستراتيجية، أن بلاده تجاوزت مرحلة «التبعية الاقتصادية» للصين، وأن ما يجري حالياً هو انتقال تدريجي نحو «تكامل استراتيجي متبادل»، فروسيا – برأيه – تمتلك ما تحتاجه الصين من موارد طاقة ومعادن نادرة، بينما تملك بكين التكنولوجيا والقدرة الصناعية، ما يجعل العلاقة «تكاملية لا أحادية».
ويؤكد كاراغانوف أن الغرب بالغ في تقدير حجم ضعف روسيا بعد العقوبات، مشيراً إلى أن السوق الصينية أنقذت الاقتصاد الروسي من الانهيار، وفتحت له مجالات جديدة في آسيا. هذا الواقع، كما يقول، جعل موسكو أكثر ثقة في مشروع التحول نحو الشرق الذي أطلقه الكرملين منذ سنوات.
ويعتقد أن التعاون في مجال التسويات المالية بالعملات المحلية سيشكّل «ثورة صامتة» في النظام المالي العالمي، إذ يقلص نفوذ الدولار ويفتح الباب أمام نظام نقدي متعدد الأقطاب.
ويختتم بالقول إن «تحالف بكين وموسكو لا يستهدف الغرب بقدر ما يسعى لتثبيت حق الدول الكبرى في رسم سياساتها دون إملاءات»، مضيفاً أن العالم اليوم يشهد «ميلاد محور استراتيجي جديد» قد يغير موازين القوى خلال العقد القادم.






