تشير المعطيات الواردة في تقرير المكتب الوطني للدفاع عن الأرض، إلى تحول نوعي في سياسات الحكومة الإسرائيلية، من إدارة الصراع إلى إعادة هندسته قانونيًا وإداريًا بما يخدم مشروع الضم وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية، فبدلاً من الاكتفاء بتكريس وقائع ميدانية تدريجية، تبدو حكومة بنيامين نتنياهو ماضية في بناء منظومة قرارات متكاملة تستهدف تقويض الأسس القانونية والسياسية التي قامت عليها اتفاقيات منظمة التحرير الفلسطينية، وفي مقدمتها ترتيبات اتفاقيات أوسلو، تمهيدًا لفرض سيادة فعلية على الأرض دون إعلان رسمي للضم.
في هذا السياق، تبرز قرارات المجلس الوزاري الأمني المصغر (الكابينت) كآلية تنفيذية مركزية لإعادة تشكيل المشهد في الضفة الغربية، سواء عبر تمكين المستوطنين من شراء الأراضي مباشرة، أو عبر توسيع صلاحيات الإدارة المدنية في مجالات التخطيط والبناء والرقابة على المناطق المصنفة (أ) و(ب)، بما يتجاوز القيود التي فرضها الواقع القانوني للاحتلال العسكري. ويعكس الالتفاف على الأطر التشريعية التقليدية، وحصر القرارات في نطاق الكابينت، إدراكًا لحساسية هذه الخطوات إقليميًا ودوليًا، مقابل إصرار على تسريع خلق حقائق يصعب التراجع عنها مستقبلاً.
تعميق الاستيطان واستعجال الضم
حكومة الاحتلال تنقلب على الاتفاقيات مع الجانب الفلسطيني وتقرر تعميق الاستيطان واستعجال الضم. كما أن أولويات حكومة إسرائيل التي يرأسها بنيامين نتنياهو تغيرت، فعوضاً عن السعي للنصر المطلق والقضاء على حركة حماس في قطاع غزة، اختار نتنياهو القضاء على السلطة الفلسطينية وإلغاء الاتفاقيات التي وقّعتها إسرائيل مع منظمة التحرير الفلسطينية وفرض ضم فعلي للضفة الغربية”. حسب تقرير المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الإستيطان في تقريره الدوري.
حركة “سلام الآن” الإسرائيلية في أحدث إصدار لها الأسبوع الماضي، أشارت إلى أن مجلس الوزراء الإسرائيلي الأمني المصغّر (الكابنيت) قرر في الثامن من شهر شباط الجاري سلسلة من الإجراءات التي تمكن الإسرائيليين من شراء الأراضي في الضفة الغربية دون قيود ودون رقابة حكومية، ليمنح بذلك فئة قليلة من المستوطنين القدرة على فرض وقائع على الأرض دون تدخل حكومي، ويفتح الباب أمام تجارة الاحتيال العقاري.
إلى جانب تجريد السلطة الفلسطينية من صلاحياتها في بعض مناطق (أ) و(ب) وفي الخليل، في انتهاك واضح وصريح للشرعية الدولية والاتفاقيات الدولية الموقعة مع الجانب الفلسطيني. وأكد التقرير أن جميع القرارات الرئيسية المتعلقة بسياسة الاستيطان اتخذها المجلس الوزاري الأمني وليس الحكومة بكامل هيئتها، للحفاظ على سرية القرارات بعيداً عن الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي.
تمكين المستوطنين من شراء الأراضي
أشار التقرير إلى أنه تقرر إلغاء القانون الساري في الضفة الغربية منذ العهد الأردني، والذي كان يجيز فقط لسكان الضفة الغربية أو الشركات المسجلة فيها شراء الأراضي، وتمكين المستوطنين من شراء الأراضي مباشرةً من الفلسطينيين. وأن مشروع قانون بهذا الشأن قدم إلى الكنيست قبل نحو عام لتعزيز التوجه الحكومي، إلا أن المشروع توقف لأن الضفة الغربية تخضع لحكم عسكري وليست جزءاً من دولة إسرائيل، وعليه فإن تعديل القوانين السارية فيها ليس من صلاحيات الكنيست.
عمليات شراء الأراضي من قبل الإسرائيليين تعتبر مشبوهة، فضلاً عن كونها خيانة عظمى، خاصة وأن قوانين السلطة الفلسطينية تحظر بيع الأراضي للإسرائيليين، ولذلك تُجرى جميع عمليات البيع في الخفاء وفي كثير من الحالات من خلال التزوير والاحتيال. حسب التقرير.
القرار يقضي بفتح سجلات ملكية الأراضي في الضفة الغربية للمراجعة العامة بعد أن كانت تصنف ضمن المعلومات السرية، وذلك رغم أن هذه السرية كانت تمنع التزوير والاحتيال في معاملات العقارات، وتحمي ممتلكات الفلسطينيين المهجورة وتحمي خصوصية أطراف المعاملات وأرواح من باعوا أراضيهم للإسرائيليين.
دول عربية وإسلامية ترفض الاجراءات الاسرائيلية
السرية كانت تعيق المستوطنين الراغبين في السيطرة على الأراضي، سواءً بشكل سري أو عن طريق التزوير والاحتيال، وأشار إلى أن حركة “ريغافيم” اليمينية المتطرفة قدمت التماساً إلى المحكمة العليا لفتح السجلات للتفتيش العام، لكن المحكمة رفضته. فضلا عن أن القرار يتضمن تجديد آلية شراء الأراضي من قبل ما يسمى أمين أملاك الدولة في الضفة الغربية، عبر شركة “هي مانوتا” التابعة للصندوق القومي اليهودي (كيرن كييمت ليسرائيل)، التي ستشتري الأراضي بناءً على طلب أمين أملاك الدولة، وفقاً لما ذكرته حركة “سلام الآن”.
أجهزة إنفاذ القانون في المنطقتين (أ) و(ب) ستعمل في مجالات التراث والمواقع الأثرية، والمخاطر البيئية، ومخالفات المياه، وستتمكن من هدم المباني الفلسطينية في حال تضررت بالتراث أو البيئة أو موارد المياه، بما يشمل مكبات النفايات والمصانع الملوثة وحتى المنازل الصغيرة. حسب تقرير المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الإستيطان في تقريره الدوري.
وأفاد التقرير أن 8 دول عربية وإسلامية أعربت الاثنين الماضي عن رفضها لهذه الاجراءات الاسرائيلية الجديدة، التي تستهدف فرض “سيادة غير شرعيّة”، وترسيخ الاستيطان في الضفّة الغربيّة المحتلّة.جاء ذلك في بيان مشترك لوزراء خارجيّة تركيا، والأردن، ومصر، والسعوديّة، وقطر، والإمارات، وإندونيسيا، وباكستان .
فتح سجلات الأراضي أمام الجمهور
الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش قال على منصة “إكس” عقب هذه القرارات: “إن الكابينيت صادق على سلسلة قرارات صاغتها مع وزير الأمن يسرائيل كاتس، تهدف لإزالة عوائق قديمة وتعزيز الاستيطان في يهودا والسامرة بشكل منظم ومسؤول”.
وأضاف سموتريتش أن إحدى الخطوات المركزية هي فتح سجلات الأراضي أمام الجمهور، وإلغاء تعليمات أردنية قديمة تحظر بيع الأراضي لليهود، ونقل صلاحيات ترخيص البناء في الحي اليهودي وفي الأماكن المقدسة في الخليل من الآليات الفلسطينية إلى مؤسسات التخطيط التابعة للإدارة المدنية. وأكد التقرير أن رئيس مجلس المستوطنات في الضفة الغربية، يسرائيل غانتس، وصف القرارات بالتاريخية، ودعا إلى الذهاب أبعد من هذه القرارات ودفن اتفاقيات أوسلو إلى الأبد.




