يشهد شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية لحظة فارقة بعد توقيع «إطار الدوحة» الجديد بين حكومة كينشاسا وحركة «إم23»، في وقت تتزايد فيه المخاوف الدولية من أن يستمر الصراع محتدماً رغم الجهود الدبلوماسية المكثفة.
شرق الكونغو بين اتفاق جديد وواقع يزداد تعقيداً
جاء الاتفاق في ظل واقع ميداني متفجر تسيطر فيه الحركة على مساحات واسعة، ورغم ذلك يأمل المجتمع الدولي أن تشكل خريطة الطريق الجديدة بداية جادة لإنهاء دوامة العنف التي طحنت الإقليم منذ عقود.
تعتبر خطوة توقيع الاتفاق في العاصمة القطرية تحوّلاً مهماً في مسار التفاوض، إذ جاءت بعد أشهر من محادثات شاركت فيها قطر والولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي، في محاولة لبناء قاعدة صلبة يمكن عبرها التقدم نحو وقف دائم لإطلاق النار، إلا أن مراقبين حذروا من أن الاتفاقات السابقة لم تصمد طويلاً أمام الضغوط العسكرية على الأرض، ما يجعل السؤال المطروح اليوم: هل يحمل الاتفاق الجديد أدوات مختلفة تضمن تنفيذه؟
ورغم الأجواء الإيجابية التي رافقت المراسم الرسمية للتوقيع، يعترف مسؤولون من الطرفين بوجود فجوة كبيرة بين النصوص المكتوبة والواقع الفعلي في مناطق النزاع، فالمشهد في غوما وبوكافو لا يزال مشحوناً بالتوتر، والمؤسسات المدنية لم تستعد نشاطها، كما أن السكان ما زالوا يعانون من انقطاع الخدمات الأساسية، ما يعني أن تحديات ما بعد التوقيع لا تقل أهمية عن التوقيع نفسه.
ويتفق خبراء على أن شرق الكونغو لا يحتاج فقط إلى هدنة عسكرية، بل إلى آلية شاملة لحماية المدنيين، وضمان انسحاب القوى المسلحة، وفتح الطرق الحيوية، وإعادة المصارف للعمل، وإطلاق عملية تنمية اقتصادية توقف استنزاف السكان، فالمعادلة الحالية تُظهر أن الأزمة أعقد من مجرد صراع بين طرفين، بل هي تراكمات اجتماعية وسياسية واقتصادية جعلت السلام مطلباً ملحّاً لكنه صعب المنال.
خريطة الطريق الجديدة.. وعود كبيرة وفرص محدودة
يحمل «إطار الدوحة» العديد من البنود التي تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار، وآليات مراقبة مشتركة، وترتيبات لإعادة انتشار القوات في المناطق التي شهدت أعنف المعارك، لكن هذه البنود تواجه اختباراً صعباً، إذ إن الثقة بين كينشاسا و«إم23» شبه معدومة، كما أن الاتهامات المتبادلة بالخرق لا تزال تتصدر المشهد عقب توقيع اتفاقات سابقة لم تُنفذ بالكامل.
وتبرز نقطة الاختبار الأساسية في قدرة الأطراف على الالتزام الزمني بخطوات تنفيذ الاتفاق، خصوصاً أن أي تأخير قد يفتح الباب أمام انهيار التفاهمات الحالية، كما يراهن الوسطاء على الضغط الدولي، خصوصاً من واشنطن، لضمان عدم السماح بعودة العمليات العسكرية التي كانت سبباً رئيسياً في تعثر محاولات السلام السابقة.
ورغم الدعم السياسي الذي ناله الاتفاق، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى أن عناصر «إم23» ما زالوا يسيطرون على مدن محورية، وهو ما يجعل التحركات نحو استعادة سيادة الدولة مسألة معقدة ومشحونة بالتوجس، كما أن دور رواندا، المتهمة بدعم الحركة، يشكل عنصراً محورياً يصعب تجاهله، ما يتطلب دبلوماسية هادئة لكن فعّالة لضمان تنفيذ تعهدات الأطراف الإقليمية.
ويتخوف سكان الشرق من أن يكون هذا الاتفاق نسخة جديدة من تفاهمات لم تغيّر واقعهم، خصوصاً أن المصارف لا تزال مغلقة في العديد من المناطق، ما يفاقم الأزمة الاقتصادية، ورغم الوعود بإعادة الخدمات تدريجياً، إلا أن السكان ينتظرون خطوات ملموسة تعيد الثقة بأن الاتفاق هذه المرة لن ينتهي إلى الطريق ذاته الذي سلكته الاتفاقات السابقة.
الأزمة الاقتصادية.. الوجع الصامت الذي يعمّق جروح الشرق
أدى الصراع المستمر إلى انهيار شبه كامل للنشاط الاقتصادي في مناطق سيطرة «إم23»، إذ توقفت حركة التجارة، وتعطلت المشاريع المحلية، وارتفعت معدلات البطالة، وباتت آلاف الأسر تعتمد على المساعدات الإنسانية في ظل انعدام الأمن، وهذا الوضع جعل تنفيذ أي اتفاق سلام بحاجة إلى خطة اقتصادية مكثفة لإعادة بناء المناطق المتضررة قبل الحديث عن استقرار طويل الأمد.
ويعتبر إغلاق المصارف واحداً من أبرز مظاهر الأزمة، إذ أدى إلى فقدان السكان القدرة على الوصول إلى مدخراتهم، وتعطل سلاسل التوريد، وتراجع الاستثمارات الصغيرة. وأدى ذلك إلى موجة نزوح اقتصادي دفعت بعض الأسر إلى مغادرة مدنها بحثاً عن مصدر رزق في مناطق أكثر استقراراً.
وتشير تقديرات منظمات دولية إلى أن الصراع في شرق الكونغو تسبب بخسائر اقتصادية بمليارات الدولارات، نتيجة تعطّل تعدين المعادن الاستراتيجية مثل الكوبالت والذهب والنيكل، ويعتبر هذا القطاع من أهم مصادر الدخل للدولة، وهو ما يجعل استعادة الأمن شرطاً لا غنى عنه لإعادة بناء الاقتصاد الوطني.
وتؤكد شركات دولية عاملة في قطاع التعدين أن مناخ الاستثمار في الإقليم أصبح محفوفاً بالمخاطر، وأن عملية استعادة الثقة تحتاج إلى وقت طويل، كما تطالب تلك الشركات بوجود ضمانات أمنية واضحة وحماية فعّالة للبنية التحتية قبل العودة إلى العمل بكامل طاقتها. هذه التحديات تجعل من الأزمة الاقتصادية عاملاً مركزياً في تقييم فرص نجاح مسار السلام الجديد.
البعد الإنساني.. صرخة ناشطين تطالب بوقف معاناة المدنيين
في خضم الصراع العسكري والدبلوماسي، يبرز العامل الإنساني كأشد الجوانب إلحاحاً، فمئات الآلاف من المدنيين يعيشون في ظروف قاسية داخل مخيمات مكتظة تفتقر لأبسط مقومات الحياة، وتشير التقارير الأممية إلى تزايد معدلات سوء التغذية وانتشار الأمراض نتيجة غياب الخدمات الصحية الكافية.
وترى منظمات الإغاثة أن غياب الأمن يمنع وصول المساعدات إلى مناطق خطرة، ما يجعل آلاف الأسر محرومة من الغذاء والدواء، وفي بعض المدن، أدى القتال إلى إغلاق الطرق الحيوية التي تُستخدم لنقل الإمدادات، وهو ما يفاقم الوضع الإنساني ويجعل مسألة فتح الطرق أولوية ملحّة في أي اتفاق تهدئة.
وتحذر منظمات حقوقية من أن استمرار العنف سيؤدي إلى كارثة إنسانية يصعب احتواؤها، خصوصاً في ظل توسع رقعة النزوح، وتؤكد هذه المنظمات ضرورة أن يتضمن «إطار الدوحة» بنوداً واضحة لحماية المدنيين ومراقبة الانتهاكات، بما يضمن محاسبة المسؤولين عن أي خروق مستقبلية.
ويرى ناشطون أن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية الضغط على الأطراف المتقاتلة لإعطاء الأولوية للجانب الإنساني، وعدم تحويل معاناة المدنيين إلى ورقة تفاوضية، فنجاح الاتفاق لن يُقاس فقط بوقف إطلاق النار، بل بقدرة الأطراف على تحسين حياة السكان الذين دفعوا أثماناً باهظة للصراع المتواصل.
السلام يحتاج إلى “واقعية سياسية” لا مجرد نصوص مكتوبة
يشرح الخبير الإقليمي في شؤون البحيرات العظمى، الدكتور جان بول إيسومبا، أن أي اتفاق سلام في شرق الكونغو يواجه معوقات معقدة تتجاوز مجرد توقيع الأطراف، فالمشهد، وفق رأيه، مرهون بتوازنات إقليمية وحسابات دول مجاورة، ما يتطلب رؤية واقعية تتعامل مع جذور الأزمة لا أعراضها فقط. ويرى أن اتفاق الدوحة يشكل خطوة جادة، لكنه يحتاج إلى ضمانات فعلية للالتزام.
ويؤكد إيسومبا أن غياب الثقة بين الحكومة وحركة «إم23» هو التحدي الأكبر، مشيراً إلى أن الاتفاقات السابقة انهارت بسبب غياب آلية مراقبة محايدة، ويقترح أن يكون للاتحاد الأفريقي دور مباشر في مراقبة تنفيذ البنود، مع إشراك الأمم المتحدة في تقييم أي خروق وإعلانها للرأي العام لمنع تلاعب الأطراف بالوقائع.
ويضيف أن البعد الاقتصادي للصراع يجب أن يكون جزءاً رئيسياً من خريطة الطريق، إذ إن استمرار الأزمة المالية وانهيار الخدمات سيدفع السكان إلى فقدان الثقة بأي تسوية سياسية، كما يرى أن دعم المانحين ضروري لتأمين مشاريع إعادة الإعمار، وخلق فرص عمل تمنع تجدد التوترات.
ويرى الخبير أن دور رواندا سيبقى عاملاً حاسماً في نجاح الاتفاق، مؤكداً أن أي سلام مستدام يحتاج إلى تفاهمات ثنائية بين كيغالي وكينشاسا، ويعتقد أن الضغط الدولي يمكن أن يسهم في دفع رواندا لخفض دعمها للحركة، وهو ما سيمهّد لمناخ أكثر استقراراً يمكّن من تنفيذ خريطة الطريق الجديدة.
الأمن أولاً.. ثم يمكن الحديث عن إعادة الإعمار والتنمية
يرى الخبير العسكري الكونغولي ريتشارد موكولو أن الحل الحقيقي يبدأ من استعادة الأمن على الأرض قبل أي حديث عن مشاريع اقتصادية أو إنسانية، ويؤكد أن «إم23» ما زالت قوة عسكرية منظمة تمتلك قدرات قتالية عالية، وهو ما يجعل عملية تفكيكها أو دمج عناصرها في القوات الحكومية مسألة تحتاج إلى ترتيبات دقيقة وحسابات أمنية معقدة.
ويشير موكولو إلى أن انتشار الجماعات المسلحة الأخرى في الإقليم يزيد الوضع تعقيداً، إذ إن تركيز الجهود على «إم23» فقط قد يخلق فراغاً تستفيد منه جماعات أخرى، ما يعني ضرورة تبنّي استراتيجية شاملة لمكافحة جميع الميليشيات دون استثناء، ويرى أن هذا النهج فقط هو الذي يمكن أن يمنع تجدد العنف.
ويحذّر الخبير من أن غياب خطة أمنية واضحة سيؤدي إلى انهيار الاتفاق، مشيراً إلى أن أي انسحاب غير منظم للقوات قد يعيد الصراع إلى نقطة الصفر. ويشدد على أهمية وجود قوات دولية أو إقليمية تستطيع ضمان استقرار المناطق الحساسة خلال مرحلة الانتقال.
ويرى موكولو أن نجاح «إطار الدوحة» مرهون بمدى قدرة الأطراف على تحويل الالتزامات السياسية إلى إجراءات ملموسة على الأرض، ومنها حماية الطرق التجارية، واستعادة سيطرة الدولة على المدن الرئيسية، وتأمين عودة النازحين بشكل آمن، ويعتبر أن تحقيق هذه الخطوات سيشكل أساساً متيناً لبداية مرحلة جديدة من الاستقرار.






