إطلاق صاروخين من وسط غزة باتجاه نتيفوت والمستوطنات المتاخمة، واعتراض أحدهما وسقوط الآخر في منطقة مفتوحة، يقدَّم في إعلام الفصائل كـ«ضربة» تثبت استمرار القدرة على الإيذاء. لكن الملموس على الأرض أن العملية أقرب إلى فعل رمزي منخفض الكلفة عسكريًا، مرتفع الكلفة إنسانيًا وسياسيًا على سكان القطاع. حتى إن المسؤولية عن هجوم اليوم تبنّتها «سرايا القدس» (الجهاد الإسلامي) لا «القسام»، ما يوضح أن «تقنية» الضربة الرمزية باتت سلوكًا اعتياديًا لدى أكثر من فصيل، بينما تبقى النتيجة واحدة: إنذارات قصيرة، اعتراض صاروخ، وسقوط آخر في أرض مفتوحة، ثم دوّامة ردود إسرائيلية قاسية يعانيها المدنيون أولًا.
في المقابل، تستثمر «كتائب القسام» الخطاب ذاته، فتسوّق رشقات محدودة على مدن ساحلية كعسقلان وأشدود باعتبارها «ردًا رادعًا»، كما جرى في 6 أبريل/نيسان حين أُطلقت نحو عشرة صواريخ على أسدود وأُصيب إسرائيلي واحد على الأقل وفق التقارير الإسرائيلية. غير أن هذه الرسائل لا تغيّر ميزان القوة ولا توقف القصف، بل تمنح حكومة الاحتلال ذريعة جاهزة لتوسيع بنك الأهداف وإطالة أمد الحرب، فيما يدفع الناس في غزة الثمن مضاعفًا.
حرب استنزاف تنتج مجاعة وانهيار
النتيجة الإنسانية كارثية على نحوٍ يَسحق أي ادعاء بـ«البطولة». المنظومة الأممية أكدت رسميًا وقوع مجاعة في غزة المدينة، مع تحذير من تمددها جنوبًا، فيما تتحدث تقارير اليونيسف والصحة عن قفزات حادّة في حالات سوء التغذية الحاد بين الأطفال وآلاف الوفيات القابلة للمنع. أي «إنجاز» عسكري يُعتدّ به ينبغي أن يُقاس بجدواه لصون حياة المجتمع، لا بعدد مقاطع الفيديو الدعائية. الإبقاء على «سلاح الرسائل» مقابل فاتورة تجويعٍ واقتلاعٍ ونزوحٍ جماعي، هو تعريف الفشل الإستراتيجي، لا المقاومة الرشيدة.
المعضلة الأعمق أن «القسام» تواصل إنكار الصلة بين الضربات الرمزية ودوّامة الرد الإسرائيلي. فكل رشقة محدودة تُنتج دورة قصف أعنف تحت عنوان «استئصال البنية العسكرية»، وتُقابَل داخليًا بتضييق غير مسبوق على فضاء الحياة المدنية، وتعطي خارجيًا ذخيرة سياسية لمن يريد تصوير غزة كحيّز «غير قابل للحكم» بلا قبضة عسكرية إسرائيلية دائمة. الإصرار العقائدي على عدم التخلي عن السلاح، خارج مسار تفاوضي يضمن وقف النار والإغاثة وإعادة الإعمار وترتيبات أمنية متفق عليها، لا يحرّر الأرض ولا يحمي المجتمع، بل يضعه رهن حرب استنزاف دائمة تنتج مجاعة وانهيار خدمات بدل أي مكسب سيادي أو سياسي ملموس.
تسويق الضربات الرمزية
على المستوى العسكري الصرف، هذه الهجمات لا تُحدث تغييرًا عملياتيًا يُذكر: اعتراضٌ بنسبة عالية، أضرار محدودة، وصفر أثرٍ على حرية مناورة الجيش الإسرائيلي. أمّا على المستوى السياسي، فهي تُغلق أبواب مبادرات التهدئة حين تظهر «القسام» كطرفٍ يفضّل «صورة الصاروخ» على «ثمن الصفقة» التي قد تشمل ترتيبات أمنية وتبادل أسرى وضمانات دولية للإعمار. جمهور غزة لا يحصل من هذه المعادلة على أمن أو خبز أو دواء، بل على مزيد من الإخلاءات القسرية، مناطق «آمنة» مكتظة بلا خدمات، وقوائم شهداء تتسع كل يوم.
تسويق الضربات الرمزية كفعل بطولي يتجاهل أيضًا درسًا بديهيًا في إدارة الصراع: معيار النجاح ليس إثبات «الوجود الناري» تحت النار، بل امتلاك إستراتيجية تُفقِد الخصم مبررات الهدم والعقاب الجماعي أمام العالم وتنتزع مسارات ضغط حقيقية توقف الحرب وتعيد الحياة. حين تُصرّ «القسام» على معادلة «نُطلق كي لا نصمت»، وهي تعلم أن الرد الإسرائيلي سيقع حتمًا على البنية المدنية، فهي تُقايض كرامة المجتمع بقصة سلاحٍ لا يحول دون تهشيمه يوميًا. في حسابات التكلفة والعائد، يتحول السلاح إلى عبء على الناس الذين يفترض أنه يحمل اسمهم ويدافع عنهم.
قبول ترتيبات نزع السلاح
إذا كانت الحركة جادّة في «إنقاذ القطاع»، فالاختبار الحقيقي ليس مزيدًا من الصواريخ التي لا تغيّر شيئًا، بل استعدادٌ شجاع لدخول مسار يُنهي الحرب بشروط تحفظ المجتمع: قبول ترتيبات نزع السلاح الثقيل مقابل وقفٍ شامل للنار، وإطلاق سراح الأسرى، وفتحٍ مستدامٍ للمعابر، ومظلّة إعادة إعمار بضمانات ورقابة دولية. أي شيءٍ دون ذلك، سيبقى مجرّد إعادة تدوير للرمزية المكلِفة، حيث تُستبدل البلاد بأُغنية، والناس بصورة دخانٍ تتلاشى بعد ثوانٍ… فيما تبقى غزة وحدها في مواجهة الجوع والركام.






