التقرير الذي أعدته الصحفية الفلسطينية سارة عوض يكشف واحدة من أكثر الصور قتامة للأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، من خلال شهادات حيّة من مستشفى الوفاء وغيره من المرافق الطبية التي تعرضت للاستهداف المباشر. ما يميّز هذه الشهادات أنها ليست مجرد توصيف لحالة طبية أو عجز إداري، بل توثيق لانهيار ممنهج في بنية القطاع الصحي، حيث يمتزج القصف بنقص الأدوية والجوع الجماعي، ليحوّل المستشفى من مكان للعلاج إلى ساحة للمعاناة اليومية.
صورة صادمة لحجم الانهيار
الادعاءات الإسرائيلية بأن المستشفى لم يعد مستخدماً كمرفق صحي، والتي روجتها بعض وسائل الإعلام العبرية، تتكشف في التقرير على أنها جزء من حرب الروايات التي تحاول تبرير قصف المراكز الطبية. وجود الكاتبة نفسها داخل المستشفى، وشهادتها عن ازدحام الأجنحة بالمرضى، يطيح بهذه المزاعم ويبرز كيف يُستخدم الإعلام كأداة لتغطية جرائم الحرب.
مدير مستشفى الوفاء، الدكتور وائل خليفة، يعرض صورة صادمة لحجم الانهيار: مئات المرضى على قوائم الانتظار، مئة منهم في حالة حرجة، مع نقص كامل في الأجهزة الأساسية. حتى الجوع أصبح جزءاً من معاناة المرضى والطاقم الطبي، إذ أشار إلى أن مستوى الجوع بلغ “كارثة” داخل المستشفى نفسه، وهو ما يجعل من الحديث عن أي رعاية طبية متكاملة ضرباً من الخيال.
الممرضون والأطباء لم يسلموا من هذا الاستنزاف، فالإرهاق والجوع أصابهم بالدوار أثناء العمل، ما يضعهم في معادلة إنسانية مستحيلة: كيف يمكن إنقاذ أرواح الآخرين فيما الجسد نفسه عاجز عن الصمود؟ هذه الشهادات تكشف أن الاستهداف ليس للبنية التحتية الطبية فقط، بل للكوادر البشرية التي تُعتبر عماد أي نظام صحي.
معاناة جيل كامل
من بين القصص الإنسانية التي أوردها التقرير، تبرز مأساة الطفلة دانيا عمارة ذات الأعوام الخمسة، التي أصابتها شظايا وأفقدتها القدرة على الحركة. قصتها تعكس كيف تُسرق الطفولة في غزة بصمت، بعيداً عن كاميرات العالم. أملها البسيط بأن تقف على قدميها وتعود للعب مع أشقائها، يقابله واقع من الشلل والجوع والعجز، ما يحوّل الأمل إلى مأساة متجددة.
ولا يتوقف الأمر عند الأطفال، بل يمتد إلى الشباب مثل هديل قريقع، التي فقدت الذاكرة والنطق نتيجة إصابة دماغية، وتحاول ببطء استعادة بعض الاستقلالية في قسم العلاج الوظيفي. هذه الحالات تجسد معاناة جيل كامل من الفلسطينيين الذين تحوّلت حياتهم اليومية إلى معركة من أجل استعادة أبسط حقوقهم الإنسانية: الكلام، الحركة، أو مجرد تناول الطعام بأنفسهم.
صمود الطواقم الطبية
وسط هذا المشهد، يظهر البُعد الأعمق: أن صمود الطواقم الطبية ليس مجرد أداء للواجب، بل فعل مقاومة في وجه آلة حرب تستهدفهم بشكل مباشر. استمرارهم في العمل رغم القصف والجوع ونقص الموارد هو تعبير عن تمسك الفلسطينيين بالحياة والكرامة، ورسالة بأن محوهم من الوجود عبر الإبادة الجماعية لن يتحقق بسهولة.
التقرير في جوهره يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية، إذ لا يمكن التذرع بالجهل أو نقص المعلومات. الصور والشهادات موجودة، والمعاناة موثقة بدقة، ومع ذلك يستمر الصمت أو الاكتفاء ببيانات سياسية عامة. إن تجاهل هذه الأصوات لا يعني سوى المشاركة غير المباشرة في الجريمة، وترك الضحايا يواجهون مصيرهم وحدهم.







