مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في مدينة غزة، يقترب النظام الصحي من لحظة الانهيار الكامل، إذ تحولت المستشفيات من ملاذ للجرحى والمرضى إلى أهداف تحت مرمى النار، ومواقع محاصرة يتهددها القصف المستمر. منذ بدء الهجوم البري الأخير، تعرضت عيادات للتدمير وأُجبرت مستشفيات على الإغلاق، فيما تعمل المرافق المتبقية بطاقة شبه معدومة، تعاني نقصاً في الدواء والوقود والمياه والأكسجين. بات الأطباء والممرضون الذين صمدوا داخل هذه المؤسسات أمام خيارات مستحيلة، بين الاستمرار في رعاية أطفال الحاضنات والمرضى غير القادرين على الحركة، وبين مواجهة خطر الموت في كل لحظة من غارات الطائرات أو رصاص الطائرات المسيّرة.
شهادة ممرضة أميركية
المشهد في مستشفى القدس، جنوب مدينة غزة، يلخص المأساة. فالمستشفى الذي كان يتسع لنحو 120 مريضاً لم يعد يضم سوى بضع عشرات، بينهم رضيعان في العناية المركزة، فيما يخدمه نحو 60 من الكادر الطبي وسط ظروف شبه معدومة. الممرضة الأميركية أندي فوغان، التي تطوعت للعمل مع الهلال الأحمر، وثّقت في يوميات مصورة لحظات الانهيار، ونقلت شهادات عن أطفال يتشبثون بالحياة تحت القصف، ومرضى يُتركون في العراء بعد إجلائهم على عجل. شهاداتها التي تحققت منها وكالات دولية، سلطت الضوء على حجم الفراغ الإعلامي الذي خلفه منع إسرائيل دخول الصحافة الأجنبية، وجعل من العاملين الإنسانيين مصدر المعلومة الوحيد من داخل غزة.
إسرائيل تبرر استهداف المدينة بضرورة القضاء على البنية التحتية لـ«حماس» وتحرير الرهائن، لكن الواقع على الأرض يعكس استهدافاً مباشراً للمرافق الصحية أو شلّها عبر الحصار. فالمعابر إلى شمال غزة أُغلقت منذ منتصف سبتمبر، ما أدى إلى حرمان مئات الآلاف من السكان من أي إمدادات طبية أو غذائية، فيما تواصل الغارات ضرب المراكز الطبية. الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية اعتبرت أن ما يجري يرقى إلى «استهداف ممنهج» للبنية الصحية، إذ وثّقت تدمير أو إغلاق عشرات المستشفيات والعيادات، بينها مرافق للأطفال ومراكز لمعالجة سوء التغذية.
في مستشفى الشفاء، أكبر مرافق المدينة، بدأ مئات المرضى والموظفين بالفرار خوفاً من التقدم الإسرائيلي. مدير المستشفى لخّص الوضع بعبارة واحدة: «الخوف حقيقي». هذا الخوف ليس مبالغاً فيه، فالمئات من العاملين الطبيين اعتُقلوا خلال الأشهر الماضية، بينما يتهم الجيش الإسرائيلي بعضهم بالتورط في «أنشطة إرهابية»، في حين ينفي الأطباء هذه المزاعم ويعتبرونها ذريعة لمداهمة المؤسسات الطبية.
انهيار الحياة
على المستوى الإنساني، تكشف يوميات الممرضة فوغان عن جانب آخر أكثر مأساوية. طفلة عمرها 13 يوماً تهتز بين ذراعيها تحت وقع الانفجارات، ورجل مصاب بحروق في معظم جسده يُترك في حقل أنقاض بعد أن تعذر علاجُه، وطرقات مستشفى كانت تعج بالمرضى صارت فارغة كأنها شاهد صامت على انهيار الحياة. هذه المشاهد لا تنقل فقط صورة الوضع الصحي، بل ترسم ملامح مدينة تحت الحصار تفقد مقومات البقاء يوماً بعد يوم.
يؤكد خبراء الصحة أن فقدان مستشفى واحد في غزة لا يعني فقط خسارة مكان للعلاج، بل يعني تهجير آلاف من سكان الأحياء المحيطة به الذين اعتادوا الاعتماد على خدماته. ومع انهيار النظام الصحي في مدينة غزة، يتزايد الخوف من موجة وفيات جماعية، ليس فقط بسبب القصف، بل بسبب الجوع والعطش وغياب الرعاية الطبية الأولية. وهكذا، يصبح القطاع الصحي ضحية مزدوجة: هدفاً مباشراً في العمليات العسكرية، وضحية غير مباشرة لسياسة الحصار والتجويع، ما يحوّل المدينة إلى منطقة منكوبة بكل المقاييس الإنسانية.







