أفادت وسائل إعلام عبرية، اليوم الجمعة، بأن صفارات الإنذار دوّت في مناطق واسعة من البلاد، شملت القدس وتل أبيب، عقب إطلاق صاروخ طويل المدى من الأراضي اليمنية. التطور اللافت حمل دلالات تتجاوز البعد العسكري المباشر، ليطرح أسئلة ملحّة حول فعالية منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية – والأميركية على حد سواء – في مواجهة التهديدات المتنامية من محور المقاومة، وخاصة من الجبهة الجنوبية.
الجيش الإسرائيلي، في بيان مقتضب، أكد رصده لصاروخ تم إطلاقه من اليمن، مضيفًا أن عملية اعتراضه تمّت بنجاح. ورغم الصيغة المطمئنة التي حملها التصريح العسكري، فإن ما كشفته وسائل الإعلام الإسرائيلية لاحقًا بدّد تلك الطمأنينة، إذ أقرّت القناة 14 بفشل منظومة “ثاد” الأميركية للمرة الثانية خلال أسبوع في تنفيذ عملية الاعتراض، مشيرة إلى أن منظومة “حيتس” الإسرائيلية هي التي نجحت في نهاية المطاف في إسقاط الصاروخ.
هذه التفاصيل التقنية، وإن بدت للوهلة الأولى شأنًا عسكريًا صرفًا، إلا أنها تعكس اختلالًا في التنسيق الدفاعي بين واشنطن وتل أبيب، كما تضع علامات استفهام حول مدى جهوزية إسرائيل للتعامل مع صواريخ بعيدة المدى تُطلق من أراضٍ تبعد آلاف الكيلومترات، كاليمن، ما يشي بتغير في قواعد الاشتباك التي كانت في السابق محصورة ضمن نطاقات جغرافية محددة.
ولم تمرّ الحادثة دون تداعيات على الأرض، حيث أُعلنت حالة الطوارئ المؤقتة في مطار بن غوريون، وتم تعليق حركة الطيران احترازيًا، في إجراء يعكس حجم الخطر الذي مثلته الضربة. كما أوردت صحيفة “يسرائيل هيوم” أن ملايين الإسرائيليين هرعوا نحو الملاجئ، وسط حالة من الهلع، تخللتها إصابة امرأة أثناء محاولتها الوصول إلى مكان آمن، بحسب ما أعلنه الإسعاف الإسرائيلي.
المشهد بمجمله يُظهر هشاشة الجبهة الداخلية الإسرائيلية أمام الهجمات الصاروخية بعيدة المدى، ويعيد إلى الواجهة معضلة “العمق الآمن” التي لطالما اعتبرت إحدى ركائز العقيدة الأمنية في إسرائيل. ومع امتداد مدى التهديدات لتشمل جنوب الجزيرة العربية، لم يعد الحزام الأمني التقليدي كافيًا لضمان الاستقرار الداخلي.
الأهم من ذلك، أن تكرار الفشل في أداء المنظومات الدفاعية الأميركية، خاصة منظومة “ثاد”، قد يُضعف منسوب الثقة في التعاون العسكري بين واشنطن وتل أبيب، ويعزز لدى بعض صناع القرار في إسرائيل قناعة بضرورة تعزيز الاعتماد على القدرات الذاتية، مع إعادة النظر في جاهزية المنظومات الموجودة حاليًا للتعامل مع تهديدات معقدة ومتعددة المصادر.
سياسيًا، يشكل هذا التطور إحراجًا لحكومة نتنياهو التي تواجه انتقادات داخلية متزايدة في ظل التوتر الأمني الممتد، وتزايد الضربات التي تنفذها جماعات مدعومة من إيران في أكثر من ساحة، بدءًا من غزة ولبنان، مرورًا بسوريا والعراق، وانتهاءً باليمن. الضربة الأخيرة تؤكد – مرة أخرى – أن المعركة لم تعد محصورة في الجغرافيا، وأن المحور المناوئ لإسرائيل يمتلك القدرة على تطويع المسافات وتوسيع مسرح العمليات ليطال قلب الكيان نفسه.
في ضوء هذه التطورات، تبدو إسرائيل أمام مرحلة جديدة تتطلب ليس فقط مراجعة أمنية شاملة، بل أيضًا تقييمًا سياسيًا دقيقًا لطبيعة التهديدات الجديدة، ومآلات الحرب المستترة التي باتت تتحول تدريجيًا إلى مواجهة علنية على عدة جبهات متزامنة.






