قرار الحكومة البريطانية استبعاد الطلاب الإسرائيليين من الكلية الملكية للدراسات الدفاعية يمثل تحولًا نوعيًا في العلاقة الأمنية والعسكرية بين لندن وتل أبيب، ويكشف عن مدى عمق التباينات التي أفرزتها الحرب المستمرة على غزة منذ نحو عامين. فهذه الخطوة غير المسبوقة منذ تأسيس الكلية عام 1927، والتي طالما شكلت منصة لتأهيل النخب العسكرية والأمنية من مختلف الدول، تحمل رسالة سياسية بالغة الوضوح بأن إسرائيل لم تعد تحظى بالاستثناءات ذاتها التي اعتادت عليها في العواصم الغربية.
إقصاء إسرائيل
القرار لم يأت بمعزل عن سياق أوسع من الإجراءات العقابية التي اتخذتها بريطانيا ضد إسرائيل منذ اندلاع الحرب، بدءًا من تعليق تراخيص تصدير الأسلحة، وصولًا إلى حظر مشاركة مسؤولين إسرائيليين في معارض دفاعية كبرى. هذه الخطوات ترافقت مع ضغوط سياسية متصاعدة من حكومة كير ستارمر التي لمّحت بوضوح إلى إمكانية الاعتراف بدولة فلسطينية في الأمم المتحدة، وهو ما يضيف عنصرًا جديدًا من الإحراج للحكومة الإسرائيلية التي تعاني من عزلة دولية متنامية.
رد الفعل الإسرائيلي، الذي وصف القرار بأنه “عمل مشين وتمييزي”، يعكس إدراك المؤسسة العسكرية في تل أبيب لحجم التداعيات الاستراتيجية لمثل هذا الإجراء. فالكلية الملكية في لندن لا تقتصر أهميتها على الجانب الأكاديمي، بل تمثل منصة لتشكيل شبكات نفوذ عسكرية وأمنية على مستوى عالمي، وإقصاء إسرائيل منها يحدّ من قدرتها على ترسيخ حضورها في الدوائر الاستراتيجية الغربية. المدير العام لوزارة الجيش، اللواء أمير برعام، لم يُخفِ قلقه حين اعتبر أن الخطوة “خيانة لحليف في حالة حرب”، وهو توصيف يكشف شعور إسرائيل بأن لندن تنقل رسائل قاسية إلى تل أبيب بشأن سياساتها في غزة.
البعد الأعمق للقرار
من الجانب البريطاني، يؤكد تصريح وزارة الدفاع أن القرار يستند إلى موقف مبدئي من حرب الإبادة في غزة، حيث شدد المتحدث الرسمي على أن “التصعيد العسكري الإسرائيلي قرار خاطئ” ودعا إلى وقف فوري لإطلاق النار وزيادة المساعدات الإنسانية. هذا الموقف يتناغم مع الضغوط الدولية المتنامية على حكومة بنيامين نتنياهو، ويعكس إدراكًا بريطانيًا بأن استمرار الحرب يضر بمكانة الغرب الأخلاقية ويقوّض الاستقرار الإقليمي.
البعد الأعمق لهذا القرار يكمن في أنه يكسر أحد المحرّمات في العلاقة بين إسرائيل وحلفائها الغربيين، إذ لم يسبق أن تعرضت إسرائيل لإقصاء مباشر من مؤسسة عسكرية غربية مرموقة على هذا النحو. وإذا كان الهدف المعلن هو الضغط لوقف الحرب وتخفيف الكارثة الإنسانية، فإن النتيجة العملية تتمثل في إضعاف مكانة إسرائيل داخل المنظومة الأمنية الغربية، وربما فتح الباب أمام خطوات مشابهة من حلفاء آخرين.
الكلفة الدبلوماسية لعنف الاحتلال
قرار لندن يحمل أبعادًا أبعد من كونه مجرد حرمان لطلاب عسكريين إسرائيليين من مقاعد دراسية؛ فهو مؤشر على بداية تحول في موازين العلاقة بين إسرائيل وأوروبا، ورسالة واضحة بأن حرب غزة لم تعد قابلة للتجاهل سياسيًا وأخلاقيًا، وأن الكلفة الدبلوماسية لعنف الاحتلال تتزايد بشكل مطّرد. هذا التطور يضع إسرائيل أمام معضلة متصاعدة: الاستمرار في الحرب يعني مزيدًا من العزلة والقطيعة مع شركائها التقليديين، بينما التراجع عنها قد يُنظر إليه داخليًا كهزيمة سياسية وعسكرية يصعب على نتنياهو وحكومته تحملها.






