يعبّر المشهد الذي أعقب نشر كتائب القسام لمقطع فيديو يظهر أحد الأسرى الإسرائيليين في حالة هزال شديد، عن تصاعد غير مسبوق في حدة التوتر داخل المجتمع الإسرائيلي تجاه أداء حكومته في ملف الأسرى. لم يكن الفيديو مجرد رسالة من حماس، بل كان صفعة قاسية للقيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، وللرأي العام المحلي الذي يبدو منقسماً بين اعتبارات أمنية وأيديولوجية، وبين مشاعر إنسانية ملحّة تتعلق بمصير مواطنيه المختطفين.
صدام مباشر مع ممثلي الحكومة
رد الفعل الغاضب من عائلات الأسرى، لا سيما عبر البيان الذي أصدرته هيئة العائلات على منصة “إكس”، يعكس تحوّلاً في نبرة الاحتجاج. فالصياغة التي حملت عبارات مثل “أوقفوا هذا الجنون” و”الموت أرحم من هذا الواقع”، تعبّر عن حالة من الانفجار العاطفي واليأس العميق، ليس فقط من تجاهل الحكومة لمطالبهم، بل من إدراكهم أن أبناءهم قد لا يعودون، أو أنهم إن عادوا فسيعودون بأجساد محطمة ونفوس منهكة.
الاحتجاج هذه المرة لم يقتصر على مظاهرة أو خطاب رسمي؛ بل وصل إلى صدام مباشر مع ممثلي الحكومة. شهادة والدة الأسير ماتان إنجرست حول تعاملها مع غال هيرش، منسق شؤون الأسرى، تعكس فشلاً ذريعًا في إدارة الأزمة على المستوى الإنساني والسياسي، وتكشف حالة من التهرب الرسمي والتقليل من شأن المعاناة الحقيقية للأسرى، رغم أن المعلومة لم تصدر عن خصوم أو وسائل إعلام معادية، بل عن أقرب الناس إلى المختطفين.
الخطاب اليائس لعائلات الأسرى
في المقابل، استثمرت كتائب القسام توقيت نشر الفيديو بدقة، متزامنًا مع وصول المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف إلى إسرائيل، وكأنها أرادت إيصال رسالة مزدوجة: الأولى إنسانية تستدرّ التعاطف العالمي، والثانية سياسية تؤكد امتلاكها ورقة قوة في مواجهة المفاوض الإسرائيلي والأميركي معاً. وبتضمين الفيديو مشاهد لأطفال من غزة يعانون من سوء التغذية، ربطت القسام بين مصير الأسرى الإسرائيليين والمأساة الإنسانية الأوسع في القطاع، في محاولة لنقل النقاش من مسألة أمنية إلى أزمة أخلاقية وإنسانية شاملة.
الخطاب المتشدد داخل الحكومة الإسرائيلية، مقابل الخطاب اليائس لعائلات الأسرى، يوضح انقساماً داخلياً حاداً. فبينما تصر أطراف مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش على رفض أي صفقة “استسلامية” والتصعيد الميداني، تظهر أصوات أخرى تنادي بصفقة شاملة تعيد الأسرى إلى منازلهم، حتى إن كانت على حساب الأهداف العسكرية أو السياسية المعلنة. هذا التناقض يترك نتنياهو في مأزق متعاظم، حيث بات عاجزاً عن إرضاء كلا الطرفين، ولا سيما أن بقاءه السياسي أصبح مرتبطاً بشكل وثيق بمصير الحرب والرهائن.
لكن الأهم من ذلك أن الرسائل المتداخلة التي تحملها هذه اللحظة تُظهر فشل الرواية الإسرائيلية في تقديم تصور موحد لمصير الحرب على غزة. فإسرائيل التي بدأت الحرب بهدف “سحق حماس” و”استعادة الرهائن”، تجد نفسها بعد شهور طويلة عاجزة عن تحقيق أي من الهدفين، فيما تتزايد الكلفة السياسية والإنسانية والداخلية. وبينما تنهار صورة “الجيش الذي لا يُقهر” أمام كاميرات القسام التي تظهر جنوداً هزيلين خلف القضبان، تنهار أيضاً صورة الحكومة الإسرائيلية في أعين مواطنيها، الذين باتوا يرون في حكومتهم خصماً يعيق خلاص أبنائهم، لا طرفاً يعمل على إنقاذهم.
ورقة الأسرى قنبلة اجتماعية موقوتة
أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن فشل إسرائيل في حل ملف الأسرى قد يُستخدم ضدها في المحافل الدولية، لا بوصفه دليل عجز فقط، بل دليلاً على أنها تضع الاعتبارات السياسية فوق الحقوق الإنسانية الأساسية، وهي نقطة قد تستثمرها حماس بقوة في خطابها الخارجي، خاصة في ظل تزايد موجات الانتقاد الدولية للعدوان المتواصل على غزة.
وفي ظل هذا الانقسام الداخلي، والتعنت السياسي، والتدهور الإنساني، تتحول ورقة الأسرى من ورقة تفاوضية إلى قنبلة اجتماعية موقوتة تهدد بتفجير الغضب الشعبي داخل إسرائيل نفسها، وهو ما يُفسر تصاعد الاحتجاجات، وارتفاع حدة خطاب عائلات الأسرى. وبدلاً من أن تعزز الحكومة من موقفها التفاوضي عبر التصلب، تجد نفسها أكثر هشاشة في وجه مطالبات لم تعد تأتي من أعدائها، بل من داخل بيتها.






