خربة جلال الدين، الواقعة على أطراف بلدة بروقين غرب سلفيت، تتحوّل اليوم إلى مثال حي على التهجير القسري والاستهداف المنهجي للأرض والإنسان الفلسطيني. رغم صغر حجمها وهدوء طابعها الزراعي، فإن هذه الخربة الصغيرة، التي تضم سبعة منازل لعائلة بركات، تتعرض يومياً لسلسلة اعتداءات من المستعمرين، تشمل الاقتحامات، الاعتداء على الأطفال، سرقة المواشي، وتدمير الممتلكات، تحت حماية قوات الاحتلال الإسرائيلي.
الاعتداءات المستمرة لم تؤثر فقط على الأمن الجسدي والنفسي للسكان، بل امتدت لتطال البيئة والزراعة، بل وحتى التاريخ والتراث الثقافي للمكان، حيث تضم الخربة آثاراً من الحقبة العثمانية المبكرة، ومسجداً قديمًا، وأبنية تاريخية تمثل الأصالة الفلسطينية وترابط السكان بأرضهم عبر الأجيال.
اعتداءات تحت حماية الاحتلال الإسرائيلي
في ظل هذا الواقع، يتحول الخوف اليومي إلى ذاكرة جماعية للأطفال، بينما تصر العائلات على البقاء والدفاع عن أرضها، متحدية محاولات الاستيلاء والتوسع الاستعماري. خربة جلال الدين تمثل بذلك صراعاً متعدد الأبعاد؛ بين الإنسان وأرضه، بين الطفولة والأمان، وبين التراث والتهجير القسري، وسط غياب أي حماية دولية
تقع الخربة على أطراف البلدة من جهة الشرق، وهي تجمع سكاني صغير يضم سبعة منازل تعود لعائلة بركات، يعتمد سكانها على الزراعة ورعي الأغنام، وتُعتبر المنطقة ذات قيمة أثرية وتاريخية وبيئية. ورغم طابعها الزراعي الهادئ، تتعرض الخربة في الآونة الأخيرة لسلسلة اعتداءات متكررة من المستعمرين، في محاولة لفرض واقع جديد يهدد وجود السكان ويدفعهم نحو التهجير القسري.
اعتداءات المستعمرين لم تعد حوادث فردية عابرة، بل باتت تتكرر بشكل يومي، لا سيما أيام السبت وخلال ساعات ما بعد الظهر. المستعمرون يقتحمون المنطقة من أعلى الجبال المحيطة، وينتشرون بين قطعان الأغنام، وأغلب الأحيان يقتحمون ساحات المنازل نفسها. هذه الاعتداءات تجري تحت حماية قوات الاحتلال الإسرائيلي، وتشمل سرقة المواشي وتسميمها، ومحاولة الاعتداء على الأطفال، إضافة إلى التلصص على المنازل وبثّ الرعب بين سكان المنطقة. حسب تصريحات المواطن فاروق بركات، أحد سكان خربة جلال الدين غرب سلفيت لـ وفا.
توسيع النشاط الاستعماري
عدد المستعمرين الموجودين قرب المنازل على مدار اليوم غالبا ما يتراوح بين ثلاثة وأربعة، إلا أنهم قد يتجمعون في أوقات معينة ليصل عددهم أحيانا إلى مجموعات كبيرة تتنقل على متن ستة جرارات زراعية أو سبع، ويتمركزون في المناطق المرتفعة المشرفة على الخربة. وبات المستعمرين يراقبون الحظائر يوميا، ويقضون ساعات طويلة قرب “البركسات” بهدف سرقة المواشي أو تسميمها.
المنطقة تتميز بتنوع بيئي فريد، وتشكل جزءا من مشهد طبيعي وزراعي متكامل، إلا أن هذا التنوع بات مهددا بفعل الاعتداءات والاستعمار الزاحف، الذي لا يستهدف الإنسان والأرض والبيئة والموارد الطبيعية. تضم المنطقة مقاما تاريخيا أثريا يعكس رمزية المكان وأهميته التاريخية، ويجسد الأصالة العربية والطابع الفلسطيني الأصيل، مشيرا إلى أن هذه الأراضي لم تكن يوما خالية، بل مأهولة بالمزارعين منذ عشرات السنين، وتتميز بطابعها الزراعي الحيوي. حسب تصريحات الباحث في مجال البيئة والاستيطان رائد موقدي لـ وفا.
وأشار موقدي إلى أن ما جرى مؤخرا من انتهاك للمستعمرين تمثل في تسييج أكثر من 400 دونم من الأراضي، تمتد من خربة قرقش مرورا بمنطقة جلال الدين ووادي المطوي وصولا إلى منطقة الرأس، مؤكدا أن هذه الأراضي مملوكة لمزارعين من المنطقة. وحذر من أن هذه الخطوة تشكل إجراءً استباقيا للسيطرة الرسمية على المنطقة، تمهيدا لإقامة بئر مياه جديدة وتوسيع النشاط الاستعماري، بما يعكس نية واضحة لتهويد المنطقة بالكامل.
ما هي خربة جلال الدين؟
خربة جلال الدين تعد واحدة من أربع خرب أخرى تقع في أراضي بلدة بروقين، إلى جانب قرقش (مدينة الشمس والقمر)، وخربة الفخاخير (دار حمد)، والشقفان (دار عبد الله)، وخربة الرأس. وتقع الخربة التي تعود إلى الفترة العثمانية المبكرة على بعد نحو كيلومترين شرق البلدة، على قمة جبل يرتفع عن سطح البحر حوالي 455 مترا، وتبلغ مساحتها نحو 3 دونمات.
الخربة تعرف بأسماء أخرى بين أهالي البلدة، من بينها خربة المطوي وخربة دار أبو سلمى، الاسم الأول يعود إلى نبع المطوي الواقع على بعد نحو كيلومتر شرق الخربة، فيما يرتبط الاسم الثاني بفرع من عائلة بركات كان يقيم في الموقع. أما اسم “خربة جلال الدين” فيرتبط بمقام ولي من أولياء الله يدعى جلال الدين، ويقع على بعد عشرات الأمتار شرق الخربة. وفقا لتصريحات الباحث في التراث الأثري والثقافي بمحافظة سلفيت، المهندس عمر السلخي لـ وفا.
ويضيف أن الموقع محاط بسور مبني من حجارة كبيرة ومتوسطة الحجم، شُيّد بمداميك أفقية شبه منتظمة، ويتراوح عرضه بين 80 و90 سانتيمترا، فيما يصل ارتفاع بقايا جدرانه في الجهة الجنوبية الشرقية إلى نحو مترين. ويضم الموقع مدخلين: أحدهما في الجهة الغربية بعرض يقارب 1.5 متر، والآخر في الجهة الشرقية بالعرض نفسه تقريبا، إضافة إلى برج في الزاوية الشمالية يبلغ ارتفاع بقاياه نحو 4 أمتار.







