في بلد أنهكته الحرب منذ نحو عقد من الزمن، لم يعد اليمنيون يخشون رصاص البنادق بقدر ما يخشون ما يفتك بهم بصمت: المرض، والفقر، والوباء. فبينما تتنازع الأطراف السياسية السيطرة على المدن والموارد، تتنازع الأوبئة حياة الناس في الأحياء والمخيمات، وسط انهيار شامل للبنية الصحية وغياب أي منظومة فعالة للاستجابة الإنسانية.
وفي مناطق سيطرة جماعة الحوثي، تفاقمت المعاناة بشكل خاص، حيث يعيش المواطنون بين فكيّ الإهمال الصحي والاستغلال المالي، في مشهد يختصر تحوّل الصراع من مواجهة سياسية إلى مأساة اجتماعية وصحية متراكمة، يدفع ثمنها الأطفال والنساء والفقراء قبل غيرهم.
المرض يطرق الأبواب.. ولا مجيب
خلال الأسابيع الأخيرة، كشفت تقارير طبية من صنعاء وذمار عن وفاة خمسة أطفال بداء الكلب، في مأساة أعادت إلى الأذهان أمراضاً كانت شبه منقرضة، لكنها عادت للانتشار تحت وطأة الانهيار الصحي وتراجع حملات التطعيم. القصص التي خرجت من تلك المدن ليست مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل مآسٍ إنسانية كاملة، لأسرٍ بحثت عن جرعة مصل فلم تجدها، وطرقت أبواب المستشفيات العامة فواجهتها لافتة «غير متوفر».
في ذمار، تحدث مدير مستشفى عمومي خاضع لسيطرة الحوثيين عن تسجيل أكثر من 400 حالة عضّ كل شهر، في مؤشر على تفشي ظاهرة الكلاب الضالة وتراجع جهود المكافحة. وفي صنعاء، روت مصادر طبية أن طفلاً تعرض لعضة قطة ضالة، فلم يجد ذويه المصل المضاد، فيما طمأنهم الأطباء – خطأً – بأن «القطة لا تنقل داء الكلب». بعد أسابيع، فارق الطفل الحياة وسط صدمة أسرته، لتتحول الحادثة إلى رمز للانهيار المزدوج في الوعي الطبي والإدارة الصحية.
الحالات الأخرى كشفت عن وجه أكثر قتامة للمأساة، حين اضطرت عائلات إلى دفع مبالغ باهظة تجاوزت 120 ألف ريال يمني (نحو 225 دولاراً) للحصول على المصل في السوق السوداء، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم الأسر اليمنية التي تعيش تحت خط الفقر. هذه الوقائع لا تعبّر فقط عن غياب الدواء، بل عن تحوّل الحق في العلاج إلى سلعة خاضعة للمساومة، في بلد باتت فيه الحياة اليومية أقرب إلى معركة بقاء.
الصحة في زمن الحرب.. نظام منهار وأجهزة مشلولة
الحرب التي دخلت عامها العاشر حوّلت النظام الصحي اليمني إلى أشلاء ممزقة. فالمستشفيات الحكومية إما خرجت عن الخدمة بفعل القصف، أو باتت تدار بعقلية الجباية لا الخدمة. في مناطق سيطرة الحوثيين، تتحكم الجماعة بموارد المستشفيات العامة، وتفرض جبايات على المرضى وأسرهم، فيما تُحوّل الأدوية والمساعدات الطبية إلى أسواق خاصة أو لصالح شبكات تابعة لها.
أما في مناطق الحكومة المعترف بها دولياً، فالأمر لا يقل سوءاً، إذ يواجه المواطنون نقصاً حاداً في الأدوية، وانقطاعاً متكرراً للكهرباء والمياه، وتراجعاً في كفاءة الطواقم الطبية نتيجة هجرة الكفاءات.
تقدّر منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 50% من المنشآت الصحية في اليمن خارج الخدمة، فيما تعاني المنشآت العاملة من نقص حاد في التجهيزات والمستلزمات الأساسية. وبينما تتكدس المستشفيات القليلة العاملة بالمصابين بأمراض سوء التغذية والكوليرا والملاريا، يجد المواطن نفسه مضطراً للجوء إلى العلاجات الشعبية أو الصيدليات الخاصة بأسعار فلكية.
البيئة الموبوءة.. حين يصبح الشارع حاضنة للمرض
لم يعد انتشار الكلاب الضالة في صنعاء وذمار سوى وجهٍ واحد من أوجه الفوضى البيئية. فمع غياب خدمات النظافة وتكدّس القمامة في الشوارع، تحوّلت الأحياء السكنية إلى بيئة مثالية لتكاثر الحشرات والقوارض. وقد وثّقت مصادر محلية انتشاراً غير مسبوق لحشرة بقّ الفراش (المعروفة محلياً بـ«الكتن») في عدد من أحياء صنعاء، ما دفع بعض المساجد والمقاهي إلى الإغلاق المؤقت بعد إصابة عشرات السكان بلدغاتها المؤلمة.
ويروي السكان كيف اضطروا إلى حرق الأثاث أو التخلص من المفروشات بعد عجزهم عن القضاء على هذه الحشرة التي تتكاثر بسرعة داخل البيوت. اللافت أن الجهات الصحية الخاضعة للحوثيين لم تصدر أي بيانات أو إرشادات للتعامل مع الظاهرة، تاركة المواطنين يواجهونها بوسائل بدائية ومبيدات خطيرة، قد تضر أكثر مما تنفع.
هذه الفوضى الصحية تعكس غياب الدولة بكل مؤسساتها، فصناديق النظافة لا ترفع النفايات إلا مقابل جبايات تُفرض على السكان والتجار، فيما تغيب أي رقابة بيئية أو حملات تطهير للمناطق الموبوءة. ومع ارتفاع درجات الحرارة وازدياد الرطوبة، باتت الحشرات والكلاب النافقة مصدر تهديد مباشر للصحة العامة، مسببة أمراضاً جلدية وتنفسية وأوبئة معدية تتسع رقعتها يوماً بعد يوم.
الإهمال والابتزاز.. حين يُستغل الألم
الأكثر إيلاماً في المشهد اليمني هو أن المعاناة الصحية لم تعد مجرد نتيجة عرضية للحرب، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى أداة للابتزاز والربح. ففي صنعاء، تحدث السكان عن مشرفين حوثيين يفرضون على الأهالي دفع مبالغ تصل إلى 1000 دولار لتخليص أحيائهم من الكلاب الضالة، وهو مبلغ يتجاوز ما يكسبه الموظف الحكومي في عام كامل.
وفي حال تأخر السكان عن الدفع، يُفرض عليهم «غرامة إضافية»، كما حدث في إحدى الحارات الجنوبية للعاصمة.
هذه الوقائع، التي توثّقها مصادر محلية، تعكس تحوّل العمل البلدي والصحي إلى وسيلة للجباية، في حين يُترك المواطن لمصيره أمام الكلاب المسعورة أو القمامة المتعفّنة أو الحشرات المنتشرة في بيته.
من ناحية أخرى، تلجأ بعض السلطات المحلية إلى أساليب بدائية في مكافحة الحيوانات الضالة باستخدام السموم، ما يؤدي إلى نفوق الكلاب في أماكن متفرقة دون انتشالها، فتتحلل جثثها في الشوارع، مسببة تلوثاً بيئياً مضاعفاً.
وفي الوقت ذاته، لا تُطلق أي حملات لتطعيم الكلاب أو للتوعية المجتمعية حول الوقاية من داء الكلب أو طرق التعامل مع الإصابات. إنها حلقة عبثية من الإهمال الإداري والجهل الصحي، يتداخل فيها الفساد مع انعدام الكفاءة، لتنتج بيئة مثالية لانتشار المرض والموت البطيء.
الصراع السياسي.. جذر الأزمة الصحية
لا يمكن فصل المشهد الصحي المأساوي في اليمن عن السياق السياسي الأوسع. فمنذ انقلاب الحوثيين على الحكومة الشرعية عام 2014، تفككت مؤسسات الدولة، وانقسمت مواردها بين سلطتين متناحرتين. في الشمال، تُدار الوزارات والمستشفيات بقرارات سياسية لا مهنية، وتُوجّه المساعدات الدولية لخدمة مشروع الجماعة أكثر مما تخدم المواطن.
وفي الجنوب، تعاني المؤسسات الصحية من ضعف التمويل وغياب التنسيق المركزي، فضلاً عن الفساد الإداري وتعدد القوى المتصارعة على النفوذ. تحت هذا الواقع، فقد المواطن اليمني الثقة في الدولة كمصدر حماية، وأصبح يعتمد على المنظمات الإنسانية التي تعمل بقدرات محدودة وتحت قيود أمنية وسياسية مشددة.
وقد حذرت الأمم المتحدة مراراً من أن استمرار الانقسام السياسي يعمّق الكارثة الصحية، إذ تعجز وزارة الصحة – بشقيها في صنعاء وعدن – عن تنسيق أي استجابة وطنية موحّدة لمواجهة الأوبئة أو توفير اللقاحات.
الشعب ضحية مزدوجة
اليمنيون اليوم يعيشون في دائرة مغلقة من الألم: الحرب تولّد الفقر، والفقر يولّد المرض، والمرض يفاقم الفقر.
في كل ذلك، يظل المواطن الحلقة الأضعف، ضحية لصراع لا يملك فيه صوتاً ولا قراراً. الأطفال الذين يموتون بعضّات الكلاب، والنساء اللاتي يفقدن أبناءهن بسبب جرعة دواء مفقودة، والمسنون الذين يفترشون أرض المستشفيات في انتظار سريرٍ لا يأتي – كلهم يمثلون وجهاً آخر للحرب، لا يقل بشاعة عن القتال المسلح.
ويقول الطبيب اليمني عبد الرحمن القدسي في تصريح لمنظمة أطباء بلا حدود إن “الوضع الصحي في صنعاء وتعز والحديدة وصل إلى مرحلة حرجة، فحتى الأمراض القابلة للعلاج أصبحت قاتلة بسبب غياب الدواء والمصل والمستشفى”. ويضيف: “المرضى يموتون اليوم ليس بسبب الوباء فقط، بل بسبب غياب النظام والضمير في آن واحد”.
البعد الإنساني والكارثة الصامتة
خلف الأرقام والبيانات تقبع مأساة إنسانية تتجاوز الإحصاء. فانتشار داء الكلب أو بقّ الفراش أو غيرها من الأمراض ليس سوى مؤشر على انهيار شامل في الصحة العامة. هذا الانهيار يخلّف آثاراً نفسية عميقة أيضاً: الخوف الدائم من العدوى، والقلق المزمن من غياب الرعاية، وفقدان الإحساس بالأمان في المنزل أو الشارع أو المدرسة.
وفي غياب الدعم النفسي والاجتماعي، تتفكك الأسر تحت ضغط المرض والفقر، ما يؤدي إلى انحسار الروابط الاجتماعية التقليدية التي كانت تشكّل شبكة الأمان الأخيرة في المجتمع اليمني.
نحو مستقبل غامض.. بين التدهور والأمل
رغم هذا الواقع القاتم، لا يزال الأمل قائماً في إمكانية إنقاذ ما يمكن إنقاذه، شريطة أن يتم فصل الملف الإنساني عن الصراع السياسي، وأن تتوحّد الجهود المحلية والدولية لإعادة بناء النظام الصحي على أسس مهنية. لكن أي إصلاح مستدام لن يتحقق دون إنهاء الانقسام السياسي ووقف الحرب، لأن الصحة ليست ملفاً خدمياً فحسب، بل انعكاس مباشر لوحدة الدولة واستقرارها.
وفي بلد أنهكته الجائحة والحصار والانقسام، فإن أول خطوة نحو التعافي تبدأ من استعادة الثقة بين المواطن والدولة، وبين الحياة والمستقبل.
تجسد مأساة الأطفال الذين ماتوا بداء الكلب، وانتشار الحشرات والقمامة في صنعاء وذمار، الصورة الأكثر صدقاً لوطنٍ يتداعى من الداخل. فبينما يختلف الساسة على طاولة المفاوضات، يواجه اليمني العادي موتاً بطيئاً في منزله أو شارعه، بلا دواء ولا دولة.
إنه الوجه الإنساني الغائب للحرب اليمنية: حرب لا تُقاس بالرصاص والدماء فقط، بل بالأوبئة التي تسرق الطفولة، وبالأسى الذي يزرعه الإهمال في نفوس الناس. وفي غياب حلول جذرية، سيظل اليمنيون بين كماشة الجوع والوباء، إلى أن تدرك الأطراف المتصارعة أن إنقاذ الوطن يبدأ من إنقاذ الإنسان.







