في تطور أمني لافت يُعدّ من بين الأبرز منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، أعلنت السلطات السورية، مساء الجمعة، عن ضبط مستودعين جديدين للأسلحة والذخائر المتنوعة، في منطقة القرداحة بمحافظة اللاذقية شمال غرب البلاد، وذلك بعد ساعات من الإعلان عن مستودع ثالث في العملية ذاتها، ليرتفع عدد المستودعات المضبوطة في المنطقة إلى ثلاثة خلال أقل من 24 ساعة.
وتكتسب العملية الأمنية الحالية أهمية استثنائية، نظرًا لحساسية موقعها الجغرافي والرمزي، إذ تُعد القرداحة مسقط رأس الرئيس المخلوع بشار الأسد، ومعقلًا تقليديًا لعائلته والطائفة العلوية التي حكمت سوريا لعقود، كما أنها كانت تاريخيًا نقطة تمركز أساسية لأجهزة النظام السابقة وأذرعه الأمنية والعسكرية.
عملية أمنية دقيقة واستنفار واسع
وأعلنت محافظة اللاذقية، عبر حسابها الرسمي على منصة “تلغرام”، أن “مديرية الأمن ضبطت مستودعًا يحتوي على كميات كبيرة من الذخائر المتنوعة وقاعدة صواريخ موجهة مضادة للدروع، في إطار عملية أمنية دقيقة نُفذت داخل مدينة القرداحة”، مضيفة أن “الفرق المختصة قامت بمصادرة المحتويات وتأمين المنطقة المحيطة بالكامل”.
وفي بيان لاحق، كشفت المحافظة عن ضبط مستودع جديد في منطقة جبلية وعرة بريف القرداحة، عُثر فيه على نحو ألف عبوة ناسفة معدّة للتفجير، وهي الكمية الأكبر التي يتم الإعلان عنها منذ بدء حملة ملاحقة فلول النظام السابق في مناطق الساحل السوري.
وكانت وزارة الداخلية قد أعلنت، يوم الخميس، عن اكتشاف مستودع ضخم مماثل في قرية بحمرة بريف القرداحة، يحتوي على عبوات ناسفة كانت معدّة للاستخدام في عمليات تستهدف “المناطق الآمنة”، وفقًا للبيان الرسمي، والذي أشار إلى أن العملية تمت بـ”شكل محكم ودقيق” وبتنسيق بين عدة جهات أمنية.
مؤشرات أمنية ورسائل سياسية
العمليات الأمنية المتسارعة في القرداحة تحمل في طياتها أبعادًا سياسية وأمنية متعددة. فمن جهة، تعكس حالة من التوتر الكامن في منطقة يُفترض أنها الأكثر ولاءً للنظام المخلوع، وهو ما يكشف أن حالة الانقسام داخل الطائفة العلوية لم تعد قابلة للإنكار، خاصة بعد سقوط الأسد ونهاية نفوذ عائلته في السلطة.
ومن جهة أخرى، تأتي هذه العمليات في سياق التصعيد الذي شهدته منطقة الساحل السوري خلال الأشهر الماضية، حيث وقعت هجمات منسقة استهدفت حواجز ودوريات أمنية، تبنتها مجموعات من بقايا النظام السابق، والتي تسعى لإحداث فوضى أمنية في محاولة لإثبات الوجود أو تعطيل مشروع الاستقرار الذي بدأت معالمه تتضح في عهد الإدارة السورية الجديدة.
إدارة جديدة وأولويات واضحة
منذ الإطاحة بحكم الأسد أواخر عام 2024، وضعت الإدارة السورية الجديدة أولوياتها في بسط السيطرة الأمنية على كامل التراب الوطني، وفرض هيبة الدولة الجديدة، خاصة في المناطق التي كانت تمثل ثقلاً أمنيًا وعسكريًا للنظام المخلوع.
وفي 8 ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي، تمكنت فصائل سورية متحالفة من السيطرة على العاصمة دمشق، منهية عقودًا من الحكم الاستبدادي الذي بدأ بانقلاب حزب البعث عام 1963، وتوطّد بقبضة حديدية لعائلة الأسد منذ عام 1971.
ومع انتقال البلاد إلى مرحلة سياسية وأمنية جديدة، أُنشئت مراكز تسوية لتشجيع من تبقى من عناصر النظام السابق على تسليم سلاحهم والانخراط في مشروع المصالحة الوطنية، إلا أن العديد من هؤلاء، وخصوصًا في مناطق الساحل، رفضوا ذلك، مما أدى إلى اندلاع مواجهات متفرقة منذ مارس/ آذار الماضي.
معركة تثبيت الاستقرار
البيانات الأمنية المتوالية الصادرة عن محافظة اللاذقية، وكذلك وزارة الداخلية، تشير إلى أن السلطات ماضية في تنفيذ عمليات تمشيط دقيقة وشاملة ضد أي وجود مسلح غير شرعي، خصوصًا في المناطق ذات الطبيعة الجبلية المعقدة، والتي لطالما استُخدمت كمخابئ للأسلحة أو مقرات سرية للميليشيات الخارجة عن القانون.
ويبدو أن الرسالة من هذه الحملة الأمنية واضحة: لا استثناءات بعد اليوم، حتى في “القرداحة”، التي كانت يومًا معقلًا مطلقًا لعائلة الأسد. فالإدارة الجديدة لسوريا تريد أن تبرهن على أن القانون فوق الجميع، وأن المرحلة القادمة لا تحتمل وجود أي جيوب مسلحة أو متمردة على الدولة، بصرف النظر عن خلفياتها الطائفية أو الجغرافية.







