شهد جنوب لبنان تصعيداً خطيراً مع ارتكاب الجيش الإسرائيلي مجزرة دامية في مدينة بنت جبيل، أسفرت عن مقتل خمسة مدنيين بينهم ثلاثة أطفال، وإصابة آخرين بجروح متفاوتة.
المجزرة وقعت عقب استهداف سيارة تقل عائلة على طريق الخردلي، ما أثار موجة غضب واسعة داخل الأوساط اللبنانية، فمشاهد عناصر الدفاع المدني وهم يعاينون آثار الغارة على السيارة المحترقة، عكست حجم المأساة التي خلّفتها العملية.
اجتماع «اللجنة الخماسية» وسط أجواء متوترة
تزامن هذا التصعيد مع اجتماع عقدته «اللجنة الخماسية» المشرفة على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في جنوب لبنان، بمشاركة المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس.
مصادر مطلعة وصفت اللقاء بأنه اتسم بـ«الإيجابية»، حيث شدد الجانب الأميركي على دعمه للجيش اللبناني وتعزيز قدراته، إلا أن المجزرة الإسرائيلية جاءت كرسالة مضادة تعكس رغبة تل أبيب في فرض معادلة جديدة على الأرض.
رسالة إسرائيلية «سلبية» رغم الجهود الدولية
ووفقا لـ«الشرق الأوسط»، فاعتبرت مصادر أن ما جرى يثبت إصرار إسرائيل على المضي بسياساتها بعيداً عن أي التزام بروح اتفاق وقف إطلاق النار.
وأكدت أن تل أبيب «تتعامل مع الاتفاق وفق تفسير خاص بها، وتنفذه على الأرض بما يخدم استراتيجيتها العسكرية»، مشيرة إلى أن هذه السياسة تقوّض فرص الاستقرار وتضعف الثقة بالمسار الدبلوماسي.
إسرائيل تبرر عملياتها: ضرب «حزب الله»
من جهته، أعلن الجيش الإسرائيلي أن عملياته بعد اتفاق وقف إطلاق النار أسفرت عن القضاء على أكثر من 300 مسلح تابعين لـ«حزب الله» واستهداف أكثر من 300 موقع.
وأوضح أن الحرب السابقة تسببت في مقتل ما بين 4 و5 آلاف عنصر من الحزب وإصابة نحو 9 آلاف آخرين، فضلاً عن تدمير ما بين 70 و80 في المئة من منصات إطلاق الصواريخ. هذه الأرقام، بحسب تل أبيب، تؤكد أن حملتها العسكرية نجحت في إضعاف القدرات القتالية للحزب.
رسالة ميدانية تحمل أبعاداً سياسية
يرى الخبير في شؤون الشرق الأوسط، الدكتور سامي مراد، أن المجزرة جاءت «كإشارة واضحة من إسرائيل مفادها أن أي تفاوض أو اجتماعات دولية لن تقيّد حركتها الميدانية».
ويضيف أن توقيت الغارة بعد اجتماع «اللجنة الخماسية» يهدف إلى تقويض أي أمل بتحقيق اختراق دبلوماسي، وتأكيد أن الكلمة الفصل تبقى للميدان.
تحدٍ مباشر للوساطة الأميركية
يعتبر الباحث في العلاقات الدولية، جاد نعمان، أن استهداف المدنيين في هذا التوقيت يشكل «إحراجاً كبيراً للولايات المتحدة التي تسعى لتثبيت وقف إطلاق النار».
وبرأيه، فإن إسرائيل تحاول إرسال رسالة مزدوجة: الأولى لحلفائها بأنها مستمرة في محاربة «حزب الله»، والثانية لواشنطن بأن دعم الجيش اللبناني لن يغيّر من معادلة الصراع.
انعكاسات على الداخل اللبناني
المحلل السياسي جورج عقيقي يرى أن استمرار الغارات بهذه الوتيرة «يضع الحكومة اللبنانية أمام تحديات أكبر داخلياً، حيث تتزايد الضغوط الشعبية للمطالبة برد أو تحرك ملموس».
ويؤكد أن المجازر بحق المدنيين تغذي خطاب الغضب وتضعف الثقة بالمسار السياسي، ما يرفع احتمالات التصعيد.
من جانبه، يقول الخبير العسكري العميد المتقاعد علي شرف الدين إن إسرائيل «تسعى من خلال هذه العمليات إلى تثبيت معادلة ردع جديدة تقوم على استهداف أي تحرك في الجنوب، سواء كان عسكرياً أو مدنياً».
ويضيف أن تل أبيب تحاول إظهار أن قدرتها الاستخباراتية والعملياتية لا تزال متفوقة رغم انتهاء الحرب.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
الباحث في شؤون الأمن الإقليمي، فادي نصار، يتوقع أن «تكرار هذه الاعتداءات قد يدفع نحو إعادة النظر في الاتفاق الهش لوقف إطلاق النار».
ويشير إلى أن لبنان مقبل على مرحلة دقيقة، حيث سيكون على اللجنة الخماسية والأمم المتحدة تكثيف جهود الوساطة لمنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة شاملة، وهو احتمال لا تستبعده التطورات الأخيرة.






