الدوحة – بعد الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قيادات من حركة “حماس” في قطر وأدت إلى مقتل ستة أشخاص بينهم عنصر أمني قطري، برزت تساؤلات إقليمية ودولية حول انعكاسات الحدث على أمن الخليج وعلاقاته الاستراتيجية، في وقت تتصاعد فيه المطالب باتخاذ خطوات دبلوماسية وقانونية ضد تل أبيب.
تداعيات أمنية وسياسية
وصفت الدوحة الهجوم بأنه “إرهاب دولة”، معتبرة أنه انتهاك مباشر لسيادتها. الضربة أثارت أيضاً أسئلة حول حدود الضمانات الأمنية الأميركية، خاصة أن قطر تستضيف قاعدة العديد الجوية، أكبر منشأة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط. ويرى محللون أن الحادثة سلطت الضوء على التوازن الحساس بين الدور الاقتصادي والسياسي الخليجي، وبين الحاجة إلى الحفاظ على شراكات أمنية موثوقة.
القيادية في “تشاتام هاوس”، سنام وكيل، قالت إن السؤال ليس ما إذا كانت دول الخليج سترد على إسرائيل، بل “كيف سيكون الرد”، مشيرة في مقال نشرته صحيفة “ذا غارديان” البريطانية إلى أن الهجوم قد يدفع العواصم الخليجية إلى تعميق التعاون فيما بينها، وتوسيع الشراكات مع قوى مثل الصين وتركيا، ومراجعة مسار التطبيع مع إسرائيل.
خلفية أميركية
في واشنطن، أعاد الهجوم تسليط الضوء على حدود الموقف الأميركي. المعلق سيمون تيسدال رأى أن “إدارة ترمب لا تبدي صرامة كافية تجاه إسرائيل”، محذراً من تداعيات أوسع إذا لم تتحرك الديمقراطيات الغربية بشكل منسق.
وفي مؤشر على ضغوط خليجية، زار وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إسرائيل الأحد، ناقلاً “قلق” الرئيس ترمب من الضربة، ووصفها بأنها “غير مقبولة”. وحث الحكومة الإسرائيلية على “كبح تهورها”، في ما اعتُبر إشارة نادرة إلى تباين في المواقف بين واشنطن وتل أبيب.
رد جماعي وتحركات دبلوماسية
الخليج أظهر مواقف متماسكة في الأيام التي تلت الهجوم. الجمعية العامة للأمم المتحدة أقرت، الجمعة الماضية، “إعلان نيويورك” بدعم 142 دولة مقابل معارضة عشر دول فقط، بينها الولايات المتحدة وإسرائيل. الإعلان يدعو إلى وقف إطلاق نار فوري في غزة، وإطلاق سراح الرهائن، والتحضير لحل الدولتين.
السعودية وفرنسا كانتا من أبرز رعاة الإعلان، فيما أسهمت دول خليجية في حشد الدعم له، وهو ما اعتبر دليلاً على قدرة المنطقة على التأثير في قرارات أممية.
كما تستضيف الدوحة، الاثنين، قمة عربية–إسلامية طارئة، بمشاركة قادة من الخليج وتركيا وباكستان وإيران، لمناقشة مشروع قرار يعتبر الضربة الإسرائيلية انتهاكاً لسيادة مجلس التعاون الخليجي.
خيارات محدودة لكن مؤثرة
يرى باحثون في مركز “كارنيغي” أن دول الخليج تجد نفسها أمام معادلة معقدة: فهي من جهة ترتبط بتحالف وثيق مع الولايات المتحدة، ما يجعل أي رد عسكري مباشر على إسرائيل غير مرجح، ومن جهة أخرى تواجه ضغطاً شعبياً وإقليمياً للرد على ما تعتبره اعتداءً غير مسبوق على سيادتها. هذا التوازن الدقيق يدفع العواصم الخليجية إلى البحث عن أدوات بديلة، مثل تكثيف التحرك في المحافل الدولية، استخدام النفوذ الاقتصادي عبر الطاقة والاستثمارات، وفرض قيود سياسية ودبلوماسية على مسار التطبيع.
الكاتب السعودي عبد الرحمن الراشد أشار إلى أن “المواجهة السياسية أكثر فاعلية في مثل هذه الحالات”، موضحاً أن إسرائيل –بحكم تفوقها العسكري– لا تتردد في خوض نزاعات عسكرية، لكنها “تتحسس بشدة من الضغوط الدبلوماسية والقانونية التي قد تؤدي إلى عزلها على الساحة الدولية”. وبحسب محللين، فإن قدرة الخليج على حشد مواقف أممية، كما حدث في “إعلان نيويورك”، قد تمثل ورقة ضغط توازي في أثرها أي رد عسكري.
قراءة أوسع
الضربة على الدوحة لا تُقرأ فقط كحادث أمني، بل كتحول استراتيجي قد يعيد صياغة علاقة الخليج بكل من واشنطن وتل أبيب. فالهجوم ألقى الضوء على محدودية الضمانات الأميركية، رغم وجود قواعد عسكرية كبيرة على الأراضي الخليجية، وهو ما قد يدفع دول المنطقة إلى إعادة النظر في اعتمادها شبه المطلق على المظلة الأمنية الأميركية.
وبحسب محللين، فإن هذا الحدث قد يشجع دول الخليج على تسريع مساعي تنويع الشراكات مع قوى مثل الصين وتركيا والهند، إضافة إلى تعميق التعاون البيني الخليجي، سواء في الإطار الدفاعي أو عبر سياسات منسقة في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. كما يُتوقع أن يعيد الملف الفلسطيني إلى واجهة النقاش داخل المجالس الخليجية، مع ما يترتب على ذلك من مراجعة مسار التطبيع الذي ظل مثار جدل داخلي.
ويرى خبراء أن هذه اللحظة قد تتحول إلى “نقطة اختبار” تكشف إن كان بإمكان دول الخليج تحويل الهجوم الإسرائيلي إلى فرصة لإبراز وزنها السياسي والدبلوماسي، أو ما إذا كانت ستظل مقيدة بحسابات التحالف مع واشنطن. وفي الحالتين، يعتقد مراقبون أن الضربة شكّلت إنذاراً بأن الترتيبات الأمنية التقليدية لم تعد كافية، وأن المرحلة المقبلة ستتطلب مقاربة خليجية أكثر استقلالية واستباقية في التعامل مع الأزمات الإقليمية.






