شهدت العاصمة الليبية طرابلس خلال الساعات الماضية استنفاراً أمنياً وتحركات عسكرية غير مسبوقة، وسط مؤشرات على اقتراب صدام مسلح بين قوات تابعة لرئيس حكومة «الوحدة الوطنية» عبد الحميد الدبيبة، وجهاز «قوة الردع الخاصة» الذي يسيطر على مفاصل أمنية حساسة في العاصمة.
تحذير أوروبي وأممي من الانزلاق للعنف
أعربت بعثة الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا، إلى جانب البعثات الدبلوماسية للدول الأعضاء، عن قلقها العميق من الأوضاع الميدانية. وأكدت أنها تتابع عن كثب التحركات في طرابلس والمناطق المحيطة، محذّرة من مغبة الانزلاق إلى مواجهات دامية، وداعية إلى «التهدئة العاجلة» والالتزام باتفاق وقف إطلاق النار.
البيان الأوروبي شدد على ضرورة انخراط جميع الأطراف في «حوار بنّاء» برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في حين وجّهت الأخيرة رسالة تحذيرية صريحة، ملوّحة بمحاسبة كل من يتورط في أي هجوم يستهدف المدنيين أو البنية التحتية.
المنفي يدخل على الخط
في محاولة لاحتواء الأزمة، التقى رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، بلجنتي «الهدنة» و«الترتيبات الأمنية والعسكرية»، في العاصمة، للتباحث حول سبل تفادي اندلاع اشتباكات، وتعزيز المسار السلمي الذي تقوده الأمم المتحدة.
وتأتي هذه التطورات في ظل صراع نفوذ متصاعد بين مؤسسات أمنية تتبع لحكومة الدبيبة، وأخرى تمارس سلطاتها على الأرض خارج مظلة الحكومة، في مشهد يعكس هشاشة التوازنات العسكرية والأمنية في طرابلس، التي لطالما ظلت عرضة لانفجارات أمنية مفاجئة.
صراع على النفوذ أم خلاف سياسي؟
يرى مراقبون أن التوتر الحالي بين قوات الدبيبة و«الردع» لا يُختزل فقط في بعده الأمني، بل يُعبّر عن صراع أعمق على النفوذ داخل طرابلس. إذ تسعى حكومة الدبيبة إلى بسط سيطرتها الكاملة على المؤسسات الأمنية، بينما ترفض بعض الكيانات المسلحة التخلي عن مواقعها أو الانضواء تحت قيادة موحدة، مما يفتح الباب أمام مواجهات مباشرة إذا لم تُعالج الأزمة سياسياً.
يحذّر محللون من أن اندلاع أي صدام عسكري جديد في العاصمة سيُقوّض المسار السياسي برعاية الأمم المتحدة، ويعيد ليبيا إلى مربع الفوضى والانقسام. كما يخشى الشارع الليبي من تكرار سيناريوهات دموية سابقة شهدتها طرابلس، حيث كانت الاشتباكات المسلحة تُشلّ الحياة المدنية، وتُدمّر البنية التحتية، وتُعيد تشكيل خارطة النفوذ بقوة السلاح.
المدنيون في مرمى الخطر
يتصاعد القلق بين سكان طرابلس من تحول المدينة إلى ساحة معركة مفتوحة، خاصة في ظل انتشار السلاح وغياب سلطة مركزية موحدة. ويطالب السكان السلطات المحلية والدولية بالتدخل العاجل لحمايتهم، وضمان عدم تكرار المآسي السابقة التي دفعت المدنيين ثمناً باهظاً نتيجة الاشتباكات بين المجموعات المسلحة.
في هذا السياق، تجددت المطالبات الداخلية بضرورة تفعيل الاتفاقات الأمنية السابقة، التي نصّت على دمج التشكيلات المسلحة في مؤسسات الدولة، وإخلاء المدن من المظاهر المسلحة، وتشكيل قوة نظامية موحدة تحت إشراف وزارتي الداخلية والدفاع. ويرى متابعون أن المخرج الوحيد من هذا المأزق يتمثل في تحييد السلاح، وتغليب منطق الدولة على حساب مراكز القوة المنفلتة.
وبين تحذيرات الخارج وتحركات الداخل، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح الدعوات الدولية في نزع فتيل المواجهة في طرابلس، أم أن العاصمة على موعد مع جولة جديدة من الفوضى؟.