يصادف السادس من أكتوبر مرور عامين كاملين على انطلاق عملية “طوفان الأقصى”، الهجوم المفاجئ الذي شنّته كتائب القسام على مواقع الاحتلال الإسرائيلي، فاتحًا صفحة جديدة في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، فلم تعد غزة مجرد ساحة قتال محلية، بل تحولت إلى محور إقليمي ودولي يعاد عنده رسم موازين القوى، وتختبر فيه قدرة الشعوب والأنظمة على الصمود والتكيّف.
لم تكن “طوفان الأقصى” مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل كانت لحظة مفصلية غيرت طبيعة الصراع جذريًا، فللمرة الأولى انتقلت المعركة إلى عمق الأراضي الإسرائيلية، محدثة صدمة غير مسبوقة في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وكاشفة هشاشة التفوق العسكري الذي طالما تغنّت به تل أبيب، ومع امتداد الحرب لعامين، تحولت غزة من بقعة محاصرة إلى عنوان للمقاومة، ومن قضية منسية إلى بؤرة اهتمام عالمي.
الخاسر الأكبر.. الشعب الفلسطيني بين النار والجوع
الشعب الفلسطيني دفع الثمن الأفدح لهذه الحرب الطاحنة، فبحسب تقارير منظمات حقوق الإنسان والأمم المتحدة، تجاوز عدد الشهداء الفلسطينيين منذ اندلاع الحرب 93 ألفًا من بينهم أكثر من 38 ألف طفل، وأُصيب مئات الآلاف بجروح خطيرة، فيما فقد عشرات الآلاف أطرافهم أو عانوا من إعاقات دائمة بسبب القصف المتكرر.
أيضا أكثر من 80% من سكان قطاع غزة البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة يعانون من انعدام الأمن الغذائي، مع تقارير تؤكد وفاة آلاف الأطفال بسبب الجوع وسوء التغذية والأمراض الناتجة عن تلوث المياه. وقد دُمرت البنية التحتية للقطاع بشكل شبه كامل؛ فالمستشفيات خرجت عن الخدمة، وشبكات الكهرباء والمياه دُمرت، والمدارس تحولت إلى ملاجئ مكتظة بالنازحين.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن ما يزيد على 1.7 مليون فلسطيني أصبحوا نازحين داخليًا، يعيش كثيرون منهم في خيام مؤقتة وسط ظروف صحية كارثية. ورغم الدعوات المتكررة لوقف إطلاق النار، فإن المساعدات الإنسانية ما زالت محدودة، بسبب إغلاق المعابر وعرقلة إدخال الإمدادات الحيوية.
اللافت أن حجم الكارثة الإنسانية في غزة لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث، سواء من حيث عدد الضحايا أو اتساع رقعة الدمار أو طول أمد المعاناة، ورغم التحذيرات المتكررة من الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة العالمية من أن القطاع يواجه “كارثة إنسانية شاملة”، فإن المجتمع الدولي عجز عن اتخاذ خطوات عملية لوقف الانتهاكات أو ضمان وصول المساعدات بشكل مستدام، فقرارات مجلس الأمن ظلّت حبيسة البيانات الدبلوماسية، والفيتو الأمريكي المتكرر حال دون صدور أي قرار ملزم لإسرائيل، ما فاقم الوضع وأعطى الضوء الأخضر لاستمرار القصف والحصار بلا هوادة، وهذا التخاذل الدولي ساهم في تعميق معاناة المدنيين، وأفقد المنظومة الحقوقية العالمية مصداقيتها في نظر كثيرين.
ومن بين أكثر الجوانب مأساوية في هذه الحرب أن جيلًا كاملًا من أطفال غزة نشأ في أجواء الحصار والدمار والموت اليومي. فهؤلاء الأطفال لا يعرفون المدارس المستقرة ولا الحدائق ولا الحياة الطبيعية؛ بل يعرفون أصوات الطائرات الحربية، وروائح البارود، ومشاهد القصف والدمار. تشير تقارير نفسية إلى ارتفاع معدلات الصدمات النفسية واضطرابات ما بعد الصدمة بين الأطفال بنسبة غير مسبوقة، حيث يعاني أكثر من 80% منهم من القلق الحاد والاكتئاب واضطرابات النوم، وهذا الواقع ينذر بعواقب اجتماعية ونفسية خطيرة على مستقبل المجتمع الفلسطيني، ويهدد بإنتاج جيل مثقل بالجراح، لكنه في الوقت نفسه أكثر وعيًا وإصرارًا على الصمود.
الاقتصاد الفلسطيني في حالة انهيار تام
الاقتصاد في قطاع غزة أيضا تهاوى تحت وطأة الحرب والحصار، فمع توقف عجلة الإنتاج، وانقطاع سلاسل الإمداد، ودمار المصانع والمنشآت التجارية، تجاوزت معدلات البطالة 75%، فيما فقد أكثر من 90% من الأسر مصدر دخلها الأساسي. العملة شحيحة، والتبادل التجاري شبه مشلول، والأسواق خاوية إلا من المساعدات المحدودة.
كما توقفت الصادرات كليًا، وتدهورت القدرة الشرائية إلى أدنى مستوياتها. هذا الانهيار الاقتصادي لا يهدد فقط الحياة اليومية للفلسطينيين، بل يقوّض مقومات إعادة الإعمار مستقبلًا، ويجعل أي تعافٍ محتمل مرهونًا برفع الحصار وتدفق مساعدات ضخمة ومنتظمة، ولكن رغم كل مظاهر الدمار، فإن المجتمع الفلسطيني في غزة أظهر قدرًا استثنائيًا من التماسك والصمود، فقد نشأت مبادرات مجتمعية محلية لتوزيع الغذاء وتنظيم التعليم البديل للأطفال في الملاجئ، إلى جانب شبكات تضامن واسعة بين العائلات المتضررة، كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في إيصال معاناة الناس إلى العالم، وتوثيق الجرائم، وحشد التضامن الدولي الشعبي.
وعكس هذا الحراك المجتمعي قدرة الفلسطينيين على التكيف والمقاومة المدنية، لكنه في الوقت نفسه يبرز الفراغ الهائل الذي تركه غياب الدعم الدولي الفعّال، ويطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل إعادة بناء النسيج الاجتماعي في ظل استمرار الحرب.
خسائر إسرائيل.. أمن مفقود ومجتمع مأزوم
ورغم القوة النارية الهائلة والدعم الأميركي اللامحدود، فشلت إسرائيل في القضاء على المقاومة بعد عامين من القتال، وتكبد جيشها أكثر من 12 ألف قتيل وجريح، وفق تقديرات غير رسمية، كما شهدت المؤسسة العسكرية موجة غير مسبوقة من حالات الانتحار والاضطرابات النفسية في صفوف الجنود العائدين من القتال، ما عكس عمق الأزمة الداخلية.
وتسببت الحرب في موجة هجرة عكسية من إسرائيل، حيث غادر عشرات الآلاف من الإسرائيليين، خصوصًا من الطبقة الوسطى والمتعلمة، بحثًا عن الأمان في الخارج في ظل وجود رهائن لدى حماس، كما اتسعت الفجوة بين اليمين الحاكم والجماعات المعارضة، وسط اتهامات متبادلة بالتقصير والفشل، ما أدى إلى تفاقم الانقسام الداخلي الإسرائيلي.
جبهات جديدة تشتعل.. إيران والحوثيون يدخلون على خط المواجهة
ومع تصاعد حرب غزة وتعثر إسرائيل في تحقيق أهدافها العسكرية، وجدت نفسها أمام جبهات مفاجئة تُفتح من خارج حدودها، فقد أعلنت جماعة الحوثيين في اليمن تنفيذ سلسلة هجمات غير مسبوقة على السفن الإسرائيلية أو المتجهة إلى الموانئ الإسرائيلية في البحر الأحمر وباب المندب، مما أدى إلى شلل شبه كامل في حركة الملاحة البحرية والتجارة الدولية عبر هذه المنطقة الحيوية، تضامنًا مع غزة.
كما كثفت إيران من خطابها التصعيدي وعملياتها غير المباشرة، سواء من خلال دعم حلفائها في لبنان وسوريا والعراق، أو عبر التهديد بضربات مباشرة رداً على استمرار القصف الإسرائيلي، وشكل هذا التمدد في نطاق المواجهة ضغطًا استراتيجيًا هائلًا على تل أبيب، التي باتت مضطرة لتوزيع قواتها على جبهات متعددة، ما أضعف تركيزها في غزة ورفع احتمالات اندلاع حرب إقليمية شاملة تهدد أمن الملاحة الدولية واستقرار الشرق الأوسط بأكمله.
وفي الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تواصل حربها ضد غزة، وجدت نفسها محاصرة إقليميًا وسط بيئة عدائية آخذة في التوسع. فحالة العداء الشعبي في المنطقة بلغت مستويات غير مسبوقة، مع اندلاع مظاهرات ضخمة في عواصم عربية وإسلامية، وضغوط متزايدة على الحكومات لقطع العلاقات أو تجميد مسارات التطبيع.
وأيضا في البحر الأحمر، تسبب توقف حركة الملاحة جزئيًا في خسائر اقتصادية كبيرة، واضطرت إسرائيل للبحث عن طرق بديلة أكثر كلفة وخطورة، كما شهدت الحدود الشمالية مع لبنان توترًا متصاعدًا مع حزب الله، الذي كثّف هجماته الصاروخية ردًا على العمليات في غزة، فكل ذلك جعل إسرائيل تعيش حالة حصار سياسي واقتصادي وأمني لم تشهدها منذ عقود، وأجبرها على خوض صراعات متوازية تستنزف مواردها وتقلص من قدرتها على المناورة الاستراتيجية.
والنتيجة المباشرة لكل هذه التطورات كانت مجتمعًا إسرائيليًا يعيش حالة غير مسبوقة من القلق والتوتر الداخلي، فإلى جانب خسائر الحرب البشرية والمادية، يجد الإسرائيليون أنفسهم محاصرين من الخارج ومقسمين من الداخل، وسط حالة من انعدام اليقين بشأن المستقبل، وارتفعت معدلات البطالة والتضخم، وتضررت قطاعات اقتصادية رئيسية مثل السياحة والنقل البحري والتكنولوجيا، مع تراجع ثقة المستثمرين الدوليين.
كما أصبحت صفارات الإنذار جزءًا من الحياة اليومية في مناطق عدة، مع اتساع نطاق الصواريخ التي تصل من جبهات مختلفة، بما في ذلك الحوثيون في الجنوب وحزب الله في الشمال، وخلقت هذه البيئة المشحونة شعورًا عامًا بانهيار “نظرية الأمن الإسرائيلي” التي بُنيت لعقود على الردع والتفوق، وهو ما ينعكس بوضوح على المزاج الشعبي الذي يتجه نحو فقدان الثقة بالقيادة السياسية والعسكرية، ويطرح أسئلة وجودية غير مسبوقة حول مستقبل المشروع الصهيوني في المنطقة.
الرابحون الحقيقيون: حماس والمعادلة الجديدة
رغم الخسائر الفادحة التي تكبدها الفلسطينيون، برزت المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، كرابح سياسي ومعنوي في هذه المواجهة الطويلة فبعد عامين، لم تستطع إسرائيل إخضاع غزة أو فرض شروطها، فيما نجحت المقاومة في فرض نفسها كفاعل إقليمي ودولي لا يمكن تجاهله في أي تسوية قادمة.
ورغم الكلفة الإنسانية الباهظة للحرب، فإن حركة حماس خرجت من “طوفان الأقصى” بمكاسب سياسية غير مسبوقة، على رأسها تثبيت حضورها كقوة فلسطينية مركزية لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات داخلية أو إقليمية مقبلة. فبعد عامين من المعارك العنيفة، ورغم الدمار الهائل في غزة، فشلت إسرائيل في القضاء على القيادة السياسية أو العسكرية للحركة، كما لم تتمكن من تفكيك منظومتها التنظيمية أو كسر إرادتها، بل على العكس، استطاعت حماس الحفاظ على وحدة بنيتها القتالية، وإدارة معركة طويلة النفس أرهقت الجيش الإسرائيلي ميدانيًا وأربكت مؤسساته الأمنية والسياسية، وهذه القدرة على الصمود أعادت لحماس مكانتها أمام الرأي العام الفلسطيني، باعتبارها حركة مقاومة.
كما استطاعت الحركة تحقيق اختراقات نوعية على الصعيد الإقليمي والدولي، إذ نجحت في إعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة العالمية بعد سنوات من التراجع والجمود، فالهجوم المفاجئ في 7 أكتوبر وما تلاه من حرب طويلة دفع العديد من الدول والفاعلين الدوليين إلى إعادة النظر في مواقفهم، وأجبر القوى الكبرى على التعامل مع حماس كرقم صعب لا يمكن تجاوزه.
وأصبحت الحركة شريكًا غير مباشر في كل المفاوضات التي جرت على وقف إطلاق النار أو صفقات تبادل الأسرى أو ترتيبات ما بعد الحرب، من القاهرة إلى الدوحة وشرم الشيخ، وهذا التحول منحها مساحة سياسية أوسع، ورسخ صورتها كفاعل إقليمي له امتدادات وتحالفات مؤثرة، خاصة مع إيران وحزب الله ومحور المقاومة.
إلى جانب ذلك، خرجت حماس من هذه الحرب بمعادلة ردع جديدة مع إسرائيل، قوامها القدرة على المفاجأة، وامتلاك أدوات ضغط متعددة لا تقتصر على الصواريخ، بل تشمل العمليات النوعية، والأنفاق، والاحتفاظ بالرهائن الإسرائيليين كورقة تفاوض قوية، كما نجحت في استنزاف إسرائيل اقتصاديًا وعسكريًا واجتماعيًا، إذ كشفت الحرب هشاشة الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وأدخلت المجتمع الإسرائيلي في حالة غير مسبوقة من القلق والانقسام وفقدان الثقة في القيادة السياسية والعسكرية. ومع استمرار الصراع الإقليمي واتساع نطاق المواجهات من غزة إلى البحر الأحمر ولبنان، وجدت حماس نفسها في قلب مشهد جديد تتراجع فيه هيبة إسرائيل وتتقدم فيه قوى المقاومة كلاعبين مؤثرين في معادلات المنطقة.
وشهد العالم تحولًا لافتًا في النظرة إلى القضية الفلسطينية، فقد انتشرت المظاهرات المؤيدة لفلسطين في عواصم أوروبية وأميركية، وتزايدت الضغوط الشعبية على الحكومات الغربية لمراجعة سياساتها المنحازة لإسرائيل، وأصبحت غزة رمزًا عالميًا للمقاومة والصمود.
حرب غيرت قواعد اللعبة الإقليمية والدولية
وتعقيبا على ذلك، يؤكد المحلل السياسي د. سامر العلي، المتخصص في قضايا الشرق الأوسط، أن عملية “طوفان الأقصى” شكّلت نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ الصراع العربي–الإسرائيلي، وأن مرور عامين على اندلاعها أفرز واقعًا جديدًا لا يمكن تجاهله، فالحرب لم تكن مجرد جولة عسكرية عابرة، بل كانت حدثًا غيّر طبيعة المعادلة الاستراتيجية برمتها، سواء داخل إسرائيل أو في الإقليم المحيط بها.
وأضاف أن إسرائيل التي اعتادت فرض إيقاعها العسكري والسياسي على المنطقة، وجدت نفسها هذه المرة أمام مقاومة صلبة استنزفتها ميدانيًا ونفسيًا، وأدخلتها في حالة ارتباك استراتيجي لم تعرفه منذ عقود، كما أن ما حدث خلال العامين الماضيين لا يمكن فصله عن التحولات الدولية الأوسع، إذ جاءت الحرب في لحظة تعيد فيها قوى كبرى مثل روسيا والصين ترتيب النظام العالمي، وتراجع فيها التفوق الأمريكي التقليدي.
واستطرد: وقد استفادت المقاومة الفلسطينية من هذه اللحظة الاستراتيجية، لتكسر جزئيًا الحصار السياسي والإعلامي المفروض عليها، وتفرض نفسها كفاعل لا يمكن تجاهله على الطاولة الدولية. هذا التغير أجبر العواصم الغربية على التعامل بحذر أكبر، وأدى إلى فتح قنوات تواصل غير مباشرة مع حماس في أكثر من ملف، رغم المواقف العلنية المتشددة.
ويرى “العلي” أن إسرائيل خسرت جزءًا كبيرًا من أوراقها السياسية التقليدية خلال هذه الحرب الطويلة، فصورة “الجيش الذي لا يُقهر” تآكلت في نظر شعوب المنطقة، وأيضًا في عيون الداخل الإسرائيلي نفسه. ومع تزايد الضغط الشعبي الدولي وتآكل الدعم غير المشروط من بعض العواصم الأوروبية، وجدت إسرائيل نفسها في موقف دفاعي سياسي غير مألوف، تحاول من خلاله تقليل الخسائر بدلًا من تحقيق مكاسب حقيقية.
ويختم تحليله بالتأكيد على أن الصراع بعد طوفان الأقصى لن يعود كما كان، فالمقاومة الفلسطينية أصبحت اليوم عنصرًا فاعلًا في معادلة الردع الإقليمي، ولم تعد إسرائيل قادرة على شنّ عمليات عسكرية مفتوحة من دون حسابات دقيقة لعواقبها السياسية والإنسانية. كما أن القضية الفلسطينية استعادت زخمها العالمي، لتتحول من قضية هامشية في الإعلام الغربي إلى محور رئيسي في النقاشات السياسية والأكاديمية والدبلوماسية.
المدنيون الفلسطينيون دفعوا الثمن الأكبر
وتوضح الخبيرة الإنسانية د. ليلى مراد، أن الحرب على غزة خلال العامين الماضيين خلفت واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث، إذ تعرض السكان المدنيون لحصار خانق وقصف متواصل أدى إلى تدمير البنية التحتية الأساسية، وأدخل القطاع في مرحلة شبيهة بالمجاعة المنظمة.
وتقول “مراد” إن الأرقام الرسمية لا تعكس بشكل كامل حجم المأساة، فخلف كل رقم قصة عائلة فقدت أبناءها، أو مجتمع محلي انهار بالكامل بسبب الحرب والحصار، وتشير إلى أن أكثر من 80% من سكان قطاع غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وأن عشرات آلاف الأطفال توفوا بسبب سوء التغذية ونقص الأدوية وتلوث المياه، بينما انتشرت الأمراض المعدية في المخيمات المكتظة التي يقطنها النازحون داخليًا.
ومعظم المستشفيات خرجت عن الخدمة، فيما تُجرى العمليات الجراحية في ظروف بدائية وبلا تخدير أحيانًا، نتيجة النقص الحاد في الإمدادات الطبية. هذه الصورة المأساوية لم تكن نتيجة طبيعية للحرب فقط، بل كانت نتاجًا متعمدًا لسياسات خنق اقتصادي ومنع للمساعدات الإنسانية، ليكون المدنيين هم الخاسر الأكبر في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
وتضيف الخبيرة، أن ما يزيد المأساة تعقيدًا هو تراجع الاهتمام الدولي الفعلي مع مرور الوقت. ففي الأسابيع الأولى من الحرب، تدفقت المساعدات والبيانات التضامنية، لكن بعد عامين، باتت الأزمة تُعامل كأمر واقع، حتى وكالات الإغاثة الدولية تعاني اليوم من نقص التمويل ومن صعوبات لوجستية هائلة بسبب القيود المفروضة على المعابر. هذا التراجع في الزخم الإنساني جعل المدنيين الفلسطينيين يواجهون وضعًا أقرب إلى “الترك للموت البطيء”، على حد وصفها.
وتختتم “مراد” بالتحذير من أن الآثار الممتدة لهذه الكارثة لن تقتصر على اللحظة الراهنة، بل ستستمر لعقود قادمة، فجيل كامل من الأطفال الفلسطينيين يكبر اليوم في ظل الجوع والخوف والدمار، مما سيترك آثارًا عميقة على صحتهم النفسية والجسدية، وعلى مستقبل المجتمع الفلسطيني ككل، كما أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى أزمة إقليمية أوسع إذا لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل جاد لرفع الحصار وضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون قيود.
الأمن الإسرائيلي تآكل من الداخل
وعلى الجانب الإسرائيلي، فيؤكد الباحث والصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي أن الحرب التي بدأت في أكتوبر 2023 كشفت هشاشة المنظومة الأمنية الإسرائيلية من الداخل، أكثر مما كشفت عن قوة المقاومة من الخارج، فبعد عامين من القتال، لم تتمكن إسرائيل من تحقيق أهدافها المعلنة، وعلى رأسها القضاء على حماس واستعادة الردع، بل على العكس، شهد المجتمع الإسرائيلي تآكلًا غير مسبوق في الثقة بين المواطنين والدولة، وبين المؤسسة العسكرية والقيادة السياسية.
ويشرح “ليفي” أن الجيش الإسرائيلي، الذي لطالما اعتُبر عماد الأمن القومي، تعرض لضربة معنوية كبيرة عندما فشل في منع هجوم الطوفان المفاجئ، ثم عجز لاحقًا عن حسم المعركة رغم تفوقه الساحق في السلاح والتكنولوجيا، وهذه الصدمة أدت إلى أزمة ثقة داخل المجتمع، ترافقت مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات الهجرة العكسية، إذ غادر آلاف الإسرائيليين إلى الخارج خوفًا من المستقبل الغامض، خاصة مع تصاعد التوترات الأمنية في الجبهات الشمالية والداخلية.
ويضيف “ليفي” أن الانقسام السياسي الداخلي فاقم من هشاشة الجبهة الداخلية. فسياسات حكومة نتنياهو اليمينية المتشددة خلقت حالة استقطاب حاد بين اليمين المتطرف والمعارضة الليبرالية، وانعكس ذلك في شكل مظاهرات متكررة وأزمات سياسية متلاحقة، وهذا الانقسام جعل من الصعب تشكيل جبهة داخلية موحدة، وأضعف قدرة إسرائيل على التعامل مع حرب طويلة ومعقدة مثل حرب غزة.
ويختتم “ليفي” تحليله بالقول إن إسرائيل تعيش اليوم أزمة وجودية عميقة أكثر من كونها أزمة عسكرية، فالمجتمع الإسرائيلي بات أكثر انقسامًا وتوترًا، وثقة الناس في مؤسساتهم تتآكل، والردع الذي كانت تعتمد عليه الدولة العبرية تراجع بشدة أمام خصم صغير ومحاصر ويرى أن هذه التطورات قد تدفع إسرائيل إما إلى مراجعة، استراتيجياتها جذريًا والدخول في مسار تسوية حقيقي، أو إلى مزيد من الانغلاق والتصلب، مما سيقود إلى أزمات أكبر في المستقبل القريب.






