بعد مرور عامين على الحرب الأخيرة في قطاع غزة، تتجاوز الأزمة الراهنة حدود المأساة الإنسانية التقليدية، لتتحول إلى حالة مركبة تشمل أبعادًا سياسية وقانونية واقتصادية. تشير البيانات الميدانية إلى مقتل أكثر من 67 ألف شخص، بينهم نحو 19 ألف طفل، وإصابة ما يقارب 170 ألفًا، فضلًا عن نزوح داخلي لأكثر من مليوني فلسطيني. هذه الأرقام تعكس مستوى غير مسبوق من المعاناة، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن فشل النظامين الإقليمي والدولي في توفير استجابة قادرة على الحد من تداعيات الحرب.
البعد الإنساني: أزمة ممتدة تتجاوز الإغاثة العاجلة
لم تعد الأزمة في غزة محصورة في أرقام الضحايا أو في حجم الدمار المادي. فالقطاع يشهد انهيارًا شبه كامل في الخدمات الأساسية، مع تضرر واسع للبنية الصحية، حيث خرجت معظم المستشفيات والمراكز الطبية عن الخدمة نتيجة القصف ونقص الموارد. وتفيد التقديرات بوجود أكثر من 16 ألف مريض وجريح يحتاجون إلى علاج خارج القطاع، في ظل عجز متواصل عن تأمين قنوات إنسانية آمنة.
من جهة أخرى، أدى تدمير البنية التعليمية والاقتصادية إلى تعطيل الحياة المدنية بشكل شامل. أكثر من 80% من البنية الاقتصادية فقدت قدرتها التشغيلية، ما يضعف فرص التعافي على المدى الطويل، ويجعل من الأزمة حالة ممتدة يصعب التعامل معها كحدث طارئ أو قصير الأمد.
البعد القانوني والدولي: فجوة بين الخطاب والواقع
تسلط الحالة في غزة الضوء على فجوة واضحة بين مبادئ القانون الدولي الإنساني وبين القدرة الفعلية على إنفاذه. ورغم أن استهداف المدنيين والمنشآت المدنية يعد انتهاكًا مباشرًا لاتفاقيات جنيف، فإن غياب آليات المحاسبة الفعالة جعل من هذه الانتهاكات أمرًا متكررًا بلا عواقب ملموسة.
الأمم المتحدة ومؤسساتها اكتفت بإصدار بيانات أو تشكيل لجان تحقيق محدودة التأثير، فيما عجز مجلس الأمن عن تمرير قرارات ملزمة بسبب الانقسامات السياسية بين القوى الكبرى. هذه المعضلة تعكس حدود النظام الدولي القائم، وتضعف الثقة في جدوى القانون الدولي كأداة لحماية المدنيين في النزاعات المسلحة.
البعد الإقليمي: غزة كمؤشر على توازنات المنطقة
تتجاوز تداعيات الحرب حدود القطاع لتؤثر على التوازنات الإقليمية. فالقضية الفلسطينية، رغم تراجعها في أولويات بعض الدول العربية نتيجة مسارات التطبيع، لا تزال تمثل ملفًا محوريًا يعيد تشكيل الخطاب السياسي في المنطقة. استمرار الكارثة الإنسانية في غزة يعزز الضغوط الشعبية على الحكومات، ويفرض على الفاعلين الإقليميين إعادة النظر في مقارباتهم تجاه إسرائيل والفلسطينيين.
من ناحية أخرى، تبقى غزة عامل اختبار للعلاقة بين القوى الإقليمية الكبرى – مثل تركيا، إيران، ومصر – حيث تتقاطع اعتبارات الأمن والشرعية الداخلية مع حسابات النفوذ الخارجي. ومع استمرار الحرب، تتزايد احتمالات انتقال آثارها إلى ملفات أخرى، سواء عبر موجات نزوح أو تصاعد حدة التوتر في الضفة الغربية والقدس.
واحدة من المظاهر اللافتة في هذه الحرب كانت محاولات تقييد أو تجريم العمل الإنساني. فرضت إسرائيل قيودًا مالية وقانونية على المنظمات الأهلية الفلسطينية والدولية، وجرى استهداف العاملين في المجال الإغاثي بشكل مباشر. هذه السياسة ليست مجرد إجراءات ثانوية، بل تعكس إدراكًا بأن وجود شبكات إنسانية فاعلة يمثل عنصرًا أساسيًا في الحد من آثار الحرب وفي نقل صورة مغايرة للرواية الرسمية الإسرائيلية.
الولايات المتحدة
في السنوات الأخيرة برزت ملامح مقاربة أمريكية تُركّز على إدارة الأزمة أكثر من السعي إلى تسوية جذرية، وهي مقاربة تجسدت في سياسات الدعم المتواصل لإسرائيل وتصريحات الاستعداد للإغاثة بينما تُرفض غالبًا الأدوات القسرية التي قد تُقيد الحملة الإسرائيلية. فالولايات المتحدة منذ بدء العدوان على غزة قدمت مساعدات عسكرية كبيرة لإسرائيل بلغت نحو 21.7 مليار دولار في الفترة الممتدة بين أكتوبر 2023 وحتى الآن، ما يسهم بصورة مباشرة في قدرة إسرائيل على مواصلة العمليات العسكرية.
هذا الدعم يشمل ليس فقط الأسلحة والمعدّات، بل اللوجستيات وقطع الغيار وصيانة السلاح، ما جعل القدرة القتالية الإسرائيلية أقل اعتمادًا على سلسلة إنتاجها الداخلية وأكثر ارتباطًا بالدعم الخارجي. Responsible Statecraft+1 كما أن الإدارة الأمريكية استخدمت حق النقض (الفيتو) مرارًا في مجلس الأمن ضد قرارات تدعو لوقف إطلاق النار أو تجريم التصعيد، مما أعاد التأكيد عمليًا على أن واشنطن مهيمنة على الحماية الدبلوماسية لإسرائيل على الصعيد الدولي.
على الجانب الآخر، تبنّت الإدارة الأمريكية تصريحات متكرّرة تدعو إلى ضبط النفس وفتح ممرّات إنسانية، لكن هذه الدعوات غالبًا ما بقيت عرضية أو مشروطة، ولم تترافق مع إجراءات قوية تقيّد العمليات العسكرية أو تفرض شروطًا على استعمال العتاد. وقد أثار ذلك انتقادات داخل مجلس الكونغرس الأمريكي، حيث طالب بعض النواب بوقف مؤقت أو مراجعة الدعم العسكري في حال وجود أدلة على انتهاكات لحقوق الإنسان، لكن تلك الدعوات لم تبلغ حدّ فرض قيود جوهرية أو إنهاء الدعم الدفاعي عامًة.
الاتحاد الأوروبي
شهد تفتتًا في المواقف أثناء الأزمة في غزة، حيث برزت دول مثل إسبانيا وإيرلندا كنقطة تمايز واضحة عن بقية الأعضاء. في مايو 2024، أعلنت إسبانيا أنها ستعترف بالدولة الفلسطينية، ومن ثم تبعتها إيرلندا في ترقية مكتب الممثلية الفلسطينية إلى سفارة، في تحرك يُعدّ رداً على تصاعد العنف في غزة والرغبة في تجديد الزخم السياسي للقضية الفلسطينية. بعض هذه الدول لم تكتفِ بالتصريحات، بل فرضت إجراءات عملية كوقف تصدير الأسلحة وبعض استخدام الموانئ لنقل شحنات عسكرية محتملة إلى إسرائيل. أما الدول الأوروبية التي تميل إلى الحياد أو الانحياز غير المعلن لإسرائيل، ففضلت في غالبها أن تحافظ على العلاقات الدبلوماسية القائمة مع إسرائيل دون اتخاذ خطوات مواجهة علنية، أو الاكتفاء بالتصويت في الأمم المتحدة بشكل معتدل أو الامتناع.
هذا الانقسام في الرؤية وغياب وحدة موقف موحّد داخل الاتحاد قلّلا من القدرة الأوروبية على أن تلعب دورًا ضاغطًا فعّالاً في وقف العمليات أو إعادة تشكيل مسارات السلام في الصراع.
الدول العربية
على الصعيد العربي، تمايزت المواقف بين الدول الرافضة لتهميش القضية الفلسطينية والمنتبهة إلى حساسية الرأي العام العربي، وتلك التي تابعت سياسة التطبيع رغم اتساع المأساة في غزة. بعض الدول مثل مصر والأردن والجزائر ظلت تؤكد التزامها بالموقف الوطني الفلسطيني وبضرورة استعادة الحقوق، معتبرة أن تصعيد المعاناة في غزة يهدد استقرار الجوار وتوازن الأمن الإقليمي. في المقابل، واصلت الإمارات والبحرين علاقاتها مع إسرائيل، بل وسعت أوجه التعاون في مجالات اقتصادية وتقنية رغم الانتقادات الداخلية والإقليمية.
هذا الانقسام العربي بين دعم رمزي أو دبلوماسي إلى حد ما وبين التطبيع المضمر، قلّص من تأثير المبادرة العربية الموحدة وجعل الرد الإقليمي في غالبه شكليًا أو إنسانيًا، بدلاً من أن يكون رافعة سياسية حقيقية لإجبار التغيير على أرض الواقع.
تداعيات مستقبلية: أزمة بلا أفق واضح
خاتمة
بعد مرور عامين على الحرب، لم تعد غزة مجرّد ساحة صراع محلية تُختزل في مواجهة عسكرية بين طرفين، بل تحولت إلى مرآة تعكس قدرة المجتمع الدولي – أو بالأحرى عجزه – عن التعامل مع الأزمات المعقدة التي تتداخل فيها الأبعاد الإنسانية والقانونية والسياسية. فشل الاستجابة لم يكن محصورًا في ضعف المساعدات أو بطء التدخلات، بل شمل كذلك عجز القانون الدولي عن فرض قواعده، وانكشاف محدودية الشرعية السياسية الإقليمية في إيجاد موقف موحد وفاعل. وهكذا، أصبحت غزة نموذجًا لفجوة عميقة بين النصوص القانونية التي تنص على حماية المدنيين وحق تقرير المصير، وبين الممارسة الفعلية التي تترك ملايين البشر تحت القصف والحصار دون حماية أو ضمانات.
هذا الواقع يضع المنطقة بأسرها أمام اختبار استراتيجي، إذ تتجاوز تداعيات الأزمة حدود القطاع لتلقي بظلالها على التوازنات الإقليمية، وعلى ثقة الشعوب في النظام الدولي. وفي غياب حلول جذرية تعالج البنية العميقة للصراع، من الاحتلال والحصار إلى غياب أفق سياسي واقعي، يظل القطاع عالقًا في دائرة مفرغة: مأساة إنسانية غير مسبوقة من جهة، ومعادلات سياسية لم تنضج بعد من جهة أخرى. النتيجة هي أزمة مفتوحة على المدى الطويل، تُبقي غزة في قلب معادلة إقليمية مضطربة، وتجعلها اختبارًا مستمرًا لمدى جدية العالم في الالتزام بقيم العدالة والكرامة الإنسانية.







