في لقاء دبلوماسي بارز على هامش اجتماعات الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة، شدد الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الإماراتي، على ضرورة وضع حد فوري للحرب الدائرة في قطاع غزة، مؤكدًا أن إنهاء الأزمة الإنسانية يتطلب تحركًا دوليًا جادًا وتعاونًا واسعًا من مختلف الأطراف المعنية.
بحث التطورات الإقليمية وجهود التهدئة
جاء اللقاء الذي جمع الشيخ عبدالله بن زايد برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نيويورك، في لحظة إقليمية حساسة، وسط تصاعد الدعوات الدولية لوقف إطلاق النار في غزة.
وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء الإماراتية (وام)، تناول الطرفان تطورات الأوضاع في المنطقة، مع التركيز على الجهود الدولية الهادفة إلى وقف الحرب الدموية التي أوقعت آلاف الضحايا وأدت إلى تفاقم المأساة الإنسانية في القطاع.
وقف دائم للنار وإنهاء معاناة المدنيين
أكد الشيخ عبدالله بن زايد ضرورة التوصل إلى وقف دائم ومستدام لإطلاق النار في غزة، مشددًا على أهمية تفادي المزيد من الخسائر في الأرواح وحماية المدنيين من تداعيات العمليات العسكرية المتواصلة.
وأشار إلى أن استمرار الأزمة يفاقم الأوضاع المأساوية التي يعيشها السكان، ويهدد الأمن الإقليمي والدولي على حد سواء.
وجدد وزير الخارجية الإماراتي دعم بلاده القوي لمبادرات المجتمع الدولي الرامية إلى إطلاق سراح جميع الرهائن والمحتجزين، باعتبار ذلك خطوة ضرورية نحو التهدئة وبناء الثقة.
كما شدد على أهمية تسهيل إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع من دون عراقيل وبصورة مستدامة، لضمان تلبية احتياجات المدنيين العاجلة، في ظل نقص حاد في الإمدادات الأساسية.
رسالة سلام واضحة: حل الدولتين أساس الاستقرار
أعاد الشيخ عبدالله بن زايد التأكيد على النهج الثابت للإمارات في دعم السلام الشامل القائم على أساس «حل الدولتين»، بما يضمن تلبية تطلعات الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي إلى مستقبل آمن ومستقر.
وشدد على ضرورة إعلاء قيم التسامح والتعايش والأخوة الإنسانية في المنطقة، باعتبارها الطريق الأمثل لتحقيق التنمية المستدامة والازدهار لشعوبها كافة.
وبحسب خبراء، فيعكس هذا الموقف الإماراتي، وفق مراقبين، سعي أبوظبي إلى لعب دور دبلوماسي فاعل ومتوازن، يجمع بين الالتزام بدعم السلام والدعوة إلى تحرك دولي فوري لحماية المدنيين ووقف العنف.
ويأتي هذا اللقاء في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية على الحكومة الإسرائيلية للقبول باتفاق تهدئة شامل، وسط تدهور الوضع الإنساني في غزة وتفاقم التوترات الإقليمية.
يرى الدكتور سامي العوضي، الخبير في الشؤون الخليجية، أن اللقاء بين الشيخ عبدالله بن زايد ورئيس الوزراء الإسرائيلي يحمل رسالة سياسية مزدوجة: من جهة تؤكد الإمارات تمسكها بدورها كفاعل إقليمي مسؤول يسعى إلى التهدئة، ومن جهة أخرى تضغط باتجاه تحرك دولي جاد لوقف الحرب في غزة.
ويضيف العوضي أن «الإمارات تدرك أن استمرار الحرب يهدد الأمن الإقليمي ويزيد من تعقيد ملفات المنطقة، لذلك فهي تستخدم أدواتها الدبلوماسية لإيصال موقف واضح للإسرائيليين والمجتمع الدولي مفاده أن الحل السياسي بات ضرورة لا خيارًا».
ضغط إنساني دولي يتصاعد والإمارات في قلبه
تؤكد الدكتورة نجلاء بركات، المتخصصة في القانون الدولي الإنساني، أن الإمارات باتت صوتًا عربيًا بارزًا في المحافل الدولية للدعوة إلى إدخال المساعدات الإنسانية لغزة من دون عراقيل.
وتوضح أن حديث الشيخ عبدالله بن زايد عن ضرورة فتح المعابر وإيصال الإغاثة المستدامة «يأتي من منطلق التزامات قانونية وأخلاقية، ويضع إسرائيل أمام اختبار جدي بشأن احترام القانون الدولي الإنساني».
وتشير إلى أن هذا الموقف يعزز صورة الإمارات كطرف يدفع نحو حلول إنسانية شاملة وليس فقط سياسية.
ويقول الدكتور فؤاد مرعي، الباحث في شؤون الشرق الأوسط، إن تأكيد وزير الخارجية الإماراتي على حل الدولتين خلال اللقاء «يعيد طرح المعادلة السياسية الكلاسيكية التي تجاهلتها إسرائيل في السنوات الأخيرة».
ويضيف أن الإمارات «تحاول تثبيت هذا الحل كإطار مرجعي لا يمكن تجاوزه إذا أرادت الأطراف التوصل إلى تسوية حقيقية»، مشيرًا إلى أن تأكيد هذا المبدأ في لقاء رفيع المستوى مع نتنياهو «يمثل رسالة مباشرة بأن التطبيع لا يمكن أن يكون بديلًا عن الحل العادل للقضية الفلسطينية».
ويرى السفير السابق أحمد فخري أن الإمارات تتبع سياسة خارجية متوازنة بعناية، إذ تجمع بين الانخراط في مسارات السلام الإقليمي والحفاظ على مواقفها الثابتة تجاه القضايا العربية الجوهرية.
ويقول فخري: «اللقاء مع نتنياهو لا يعني تخلي الإمارات عن ثوابتها، بل هو جزء من تحرك أوسع يهدف إلى التأثير في مسار الأحداث من داخل قنوات التواصل المباشر، لا من خارجها».
ويشير إلى أن هذه الاستراتيجية تمنح الإمارات قدرة على التأثير الحقيقي في ملفات معقدة مثل الحرب في غزة.
لحظة اختبار للمجتمع الدولي وإسرائيل معًا
يؤكد الدكتور كريم صادق، أستاذ العلاقات الدولية، أن تصريحات الشيخ عبدالله بن زايد تعكس مزاجًا دوليًا متغيرًا تجاه الحرب في غزة، مشيرًا إلى أن هناك قناعة متزايدة بأن استمرار النزاع يهدد استقرار المنطقة بأكملها.
ويضيف صادق أن «الإمارات، من خلال هذا اللقاء، تضع الكرة في ملعب المجتمع الدولي وإسرائيل معًا؛ فهي تدعو لتحرك منسق لإنهاء الحرب، لكنها في الوقت ذاته تذكّر إسرائيل بأن تجاهل الحلول السياسية لن يجلب لها الأمن».
ويختم قائلًا: «هذه اللحظة تشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام الدولي على فرض وقف لإطلاق النار وتهيئة المناخ لحل سياسي شامل».






