تواجه إيران مرحلة بالغة الحساسية سياسياً وأمنياً، في ظل اقتراب موعد محادثات محتملة مع الولايات المتحدة، وسط تصاعد مؤشرات التوتر العسكري في الإقليم، ما يضع طهران أمام اختبار دبلوماسي دقيق بين التمسك بخيار التفاوض والاستعداد لسيناريوهات التصعيد.
تفاوض مشروط مع أميركا
وتؤكد القيادة الإيرانية، في تصريحات متزامنة، أنها منفتحة على المسار الدبلوماسي، شريطة توافر بيئة «عادلة ومنصفة» وخالية من الضغوط، وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أنه وجه وزير الخارجية عباس عراقجي للتحرك باتجاه تفاوض مشروط، استجابة لطلبات عدد من الحكومات الإقليمية، مع التشديد على رفض أي شروط مسبقة أو «توقعات غير معقولة».
غير أن الأجواء السياسية المشحونة تزامنت مع تطورات ميدانية لافتة، إذ أعلن الجيش الأميركي إسقاط مسيّرة إيرانية من طراز «شاهد – 139» بعد اقترابها «بشكل عدائي» من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن».
واعتبر البيت الأبيض أن الإجراء كان دفاعياً ومناسباً، مؤكداً في الوقت نفسه التزام واشنطن بالإبقاء على قنوات الاتصال مفتوحة وعدم إلغاء المحادثات المقررة.
تفتيش ناقلة في مضيق هرمز
وفي تطور بحري موازٍ، أفادت مصادر ملاحية بأن زوارق تابعة لـ«الحرس الثوري» اقتربت من ناقلة نفط أميركية أثناء عبورها مضيق هرمز، وطلبت تفتيشها، قبل أن تواصل السفينة مسارها من دون استجابة، ما أعاد إلى الواجهة حساسية الممرات البحرية وأهميتها في حسابات التصعيد والردع المتبادل.
وسياسياً، كشف موقع «أكسيوس» أن إيران طلبت نقل مكان المحادثات من إسطنبول إلى سلطنة عُمان، وحصرها في الملف النووي فقط وبصيغة ثنائية، في خطوة تعكس رغبة طهران في ضبط نطاق التفاوض وتجنّب توسيع جدول الأعمال ليشمل ملفات إقليمية شائكة.
وفي المقابل، تكثف واشنطن مشاوراتها مع حلفائها في المنطقة، حيث أجرى المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف محادثات موسعة في إسرائيل.
تعليق إسرائيل على الأزمة
وأفاد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن بنيامين نتنياهو أبلغ ويتكوف أن «إيران أثبتت مراراً أن وعودها غير موثوقة»، محذراً من أي تساهل قد يمنح طهران هامش مناورة إضافياً.
وتأتي هذه التطورات في وقت شهدت فيه طهران حادثاً داخلياً لافتاً، تمثل في اندلاع حريق هائل بسوق في غرب العاصمة، من دون اتضاح أسبابه حتى الآن، ما أضفى بعداً إضافياً من الترقب والقلق على المشهد الداخلي المتزامن مع الضغوط الخارجية.
جدير بالذكر أن التطورات الأخيرة تأتي في ظل مسار متقلب للعلاقات بين إيران والولايات المتحدة، التي تشهد توتراً مزمناً منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018 وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية على طهران.
ورغم محاولات إحياء الاتفاق خلال السنوات الماضية، فإن جولات التفاوض تعثرت مراراً بسبب الخلافات حول آليات رفع العقوبات، والضمانات المطلوبة، ودور إيران الإقليمي.
احتكاكات عسكرية في المنطقة
وشهدت منطقة الخليج ومضيق هرمز على وجه الخصوص سلسلة من الاحتكاكات العسكرية خلال الأعوام الأخيرة، شملت استهداف ناقلات نفط واعتراض سفن ومسيّرات، ما جعل الممرات البحرية إحدى أبرز نقاط الاشتعال بين طهران وواشنطن.
وتعتبر الولايات المتحدة أي اقتراب من قواتها البحرية تهديداً مباشراً لأمنها، في حين ترى إيران أن وجود الأساطيل الأجنبية في المنطقة يشكل استفزازاً دائماً.
في السياق ذاته، تحاول طهران الموازنة بين خطابها التصعيدي وقدرتها على استخدام أوراق الضغط العسكرية، وبين حرصها على عدم إغلاق باب الدبلوماسية بالكامل، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية الداخلية وتراجع العملة وارتفاع معدلات التضخم.
وتؤكد القيادة الإيرانية أن أي تفاوض محتمل يجب أن يقتصر على الملف النووي، من دون ربطه بملفات الصواريخ أو النفوذ الإقليمي.
أما إسرائيل، فتواصل لعب دور ضاغط على واشنطن لمنع أي اتفاق تعتبره «ضعيفاً» أو غير كافٍ لكبح البرنامج النووي الإيراني، وتؤكد مراراً أنها تحتفظ بحق التحرك منفردة للدفاع عن أمنها.
ويعكس الحراك الدبلوماسي الأميركي – الإسرائيلي المتزامن مع هذه التطورات حجم القلق الإقليمي من نتائج أي تفاهم محتمل مع طهران، وتأثيره على توازنات المنطقة.







