تعيش فرنسا مجددًا على وقع الصدمة، بعد حادث الدهس الذي هزّ جزيرة أوليرون السياحية الهادئة، حين أقدم شاب يبلغ من العمر نحو 30 عامًا على دهس مجموعة من المارة وراكبي الدراجات، مخلّفًا تسعة مصابين، بينهم اثنان في حالة حرجة داخل العناية المركزة.
الواقعة التي بدت في بدايتها حادثًا فرديًا، سرعان ما تحولت إلى مادة نقاش وطني حول ما إذا كانت البلاد أمام عمل إرهابي جديد أم واقعة مرتبطة باضطراب نفسي منفلت.
فصل جديد من القلق الفرنسي
في بلد شهد خلال العقد الماضي سلسلة من الاعتداءات الدامية التي تبنّتها تنظيمات متطرفة، لم يكن هتاف المشتبه به «الله أكبر» أثناء القبض عليه تفصيلاً هامشيًا. فهذه العبارة وحدها كفيلة بإشعال ذاكرة الفرنسيين التي لم تبرأ بعد من جراح نيس وباريس وستراسبورغ.
ومع أن السلطات أكدت أن التحقيق لم يُسند بعد إلى النيابة العامة لمكافحة الإرهاب، إلا أن الرأي العام بدا وكأنه يعيش حالة استنفار شعوري مبكر.
جزيرة أوليرون، المعروفة بجمالها الطبيعي وسكونها البحري، تحوّلت فجأة إلى مسرح دموي، يختلط فيه الخوف بالدهشة. سكان الجزيرة الذين اعتادوا حياة هادئة وجدوا أنفسهم فجأة أمام مشهد أمني محمّل بالتساؤلات، في ظل وجود شرطة مكثفة وتحقيقات مفتوحة لا تزال تبحث عن الدافع الحقيقي للحادث.
الصدمة لم تكن فقط في تفاصيل الواقعة، بل في توقيتها أيضًا، إذ تأتي في لحظة سياسية حساسة تشهد فيها فرنسا تصاعد الجدل حول الهجرة، والتطرف، وحماية الهوية الوطنية، ما جعل من حادث أوليرون وقودًا جديدًا لنقاش محتدم حول “من هو العدو الحقيقي” داخل المجتمع الفرنسي.
بين الشكوك والتحقيقات: روايات تتضارب
مع الساعات الأولى بعد الحادث، سارعت وزارة الداخلية إلى تهدئة المخاوف مؤكدة أن التحقيق لا يزال في مراحله الأولى، وأن جميع الفرضيات قيد الدراسة، لكن تسريب معلومات من وسائل إعلام فرنسية أفاد بأن المشتبه به أظهر “سلوكًا غير متزن” أثناء القبض عليه، مما أعاد طرح فرضية الاضطراب النفسي كعامل محتمل وراء الهجوم.
في المقابل، رأى بعض السياسيين المحافظين أن مجرد هتاف “الله أكبر” يكفي لاعتبار الواقعة عملاً ذا بعد ديني، حتى لو لم تُعلن أي جهة مسؤوليتها عنه.
هذا التسرع في إطلاق الأحكام فتح بابًا للانقسام مجددًا بين تيارين: الأول يدعو للهدوء والاعتماد على نتائج التحقيق، والثاني يرى أن فرنسا تخوض حربًا مفتوحة مع “تطرف داخلي متخفي”.
وسائل الإعلام الفرنسية بدت حذرة هذه المرة. فبعد تجارب سابقة تم فيها تضخيم الأحداث ثم تبيّن لاحقًا أنها جرائم فردية، اختارت المؤسسات الإعلامية الكبيرة التريث في توصيف الحادث، ومع ذلك، فإن التفاعل الشعبي على المنصات الرقمية كان أشد حدة، إذ تصدّر وسم “#حادث_أوليرون” منصة «إكس» خلال ساعات، مرفقًا بصور وفيديوهات التقطها شهود العيان.
وتشير مصادر محلية إلى أن السائق كان يعيش بمفرده في منطقة قريبة، ولم يُعرف عنه أي نشاط متطرف أو ارتباط بجماعات دينية، لكن أجهزة الأمن ما زالت تراجع سجله النفسي وسوابقه القانونية، في محاولة لتحديد ما إذا كان الدافع أيديولوجيًا أم نفسيًا بحتًا.
فرنسا بين الإرهاب والعنف الفردي
منذ هجوم نيس عام 2016، الذي أودى بحياة أكثر من 80 شخصًا، أصبحت فرنسا في حالة تأهب دائم. ومع مرور الوقت، تطورت المقاربة الأمنية لتشمل التهديدات “غير التقليدية”، مثل الحوادث الفردية غير المنظمة، التي قد تكون مدفوعة بأفكار متطرفة أو اضطرابات عقلية.
حادث أوليرون يعيد هذه المعضلة إلى الواجهة: كيف يمكن التمييز بين الإرهاب المنظّم والعنف الفردي؟
الخبراء الأمنيون في باريس يؤكدون أن التحدي الأكبر أمام السلطات هو فهم “النمط السلوكي” للجناة المحتملين. ففي كثير من الحالات، يتحرك الأفراد بمفردهم دون ارتباط مباشر بتنظيمات، لكنهم يستلهمون رموزًا دينية أو شعارات سياسية تزرعها الحملات المتطرفة على الإنترنت، وهذا ما يجعل التحقيقات في مثل هذه القضايا بالغة التعقيد.
في المقابل، يرى محللون أن الخطورة الحقيقية تكمن في “تأثير الصدى”، حيث يمكن لأي حادث فردي أن يثير موجة ذعر جماعي ويغذي الخطاب الشعبوي، خصوصًا في ظل اقتراب الانتخابات المحلية في فرنسا، فكل حادث يُستغل سياسيًا لإعادة طرح ملفات الهوية، والاندماج، ومكانة المسلمين في المجتمع الفرنسي.
وبينما تتواصل التحقيقات، تحاول الحكومة الحفاظ على توازن دقيق بين طمأنة المواطنين من جهة، وعدم الانزلاق نحو خطاب معادٍ للأقليات من جهة أخرى، فكل كلمة تصدر عن مسؤول يمكن أن تُقرأ بزاوية مختلفة، وتتحول إلى مادة لصراع إعلامي أو سياسي.
الإعلام والشارع.. ذاكرة لا تنسى
الفرنسيون لم ينسوا بعد سلسلة العمليات التي هزت البلاد في العقد الماضي، من مسرح الباتاكلان إلى هجوم ستراسبورغ. لذلك، كان طبيعياً أن يُستقبل حادث أوليرون بموجة من الخوف والحذر.
وسائل الإعلام استدعت لقطات قديمة لحوادث مشابهة، بينما امتلأت البرامج الحوارية بأسئلة حول “عودة الإرهاب إلى السواحل الفرنسية”.
اللافت أن هذه الحوادث غالبًا ما تترك أثراً نفسياً عميقاً في المجتمع الفرنسي، يتجاوز حجم الخسائر المادية أو البشرية. فالإرهاب، حتى وإن لم يكن منظماً، يُعيد إنتاج نفسه عبر الخوف الجماعي، ومع كل حادث، يتجدد الجدل حول ما إذا كانت فرنسا قد نجحت فعلاً في تجاوز صدمة 2015، أم أن “عقد الإرهاب” لا يزال مفتوحاً في الذاكرة الوطنية.
وفي المقاهي والشوارع ووسائل التواصل، ينقسم الفرنسيون بين من يرى أن الحادث نتاج أزمة نفسية فردية، ومن يعتقد أن التطرف لا يزال متجذرًا في بعض الأوساط الهامشية.
هذا الانقسام يعكس هشاشة الثقة العامة، ويطرح أسئلة عميقة حول مدى قدرة المجتمع على التمييز بين الجاني الفردي والعدو الجماعي.
في هذا المناخ، تبدو السلطات الفرنسية في سباق مع الزمن لإغلاق ملف أوليرون بسرعة، خشية أن يتحول إلى رمز جديد في سلسلة الهجمات التي لا تريد فرنسا تذكّرها.
الخطر اللامرئي: كيف يتحول الفرد إلى تهديد؟
يقول الدكتور جان بيار لوران، خبير الأمن الأوروبي وأستاذ الدراسات الاستراتيجية في باريس، إن حادث أوليرون يعكس “نمط الخطر الجديد” الذي تواجهه فرنسا وأوروبا عمومًا، فالتطرف لم يعد بالضرورة مؤسسيًا، بل تحول إلى ظاهرة رقمية ونفسية معقدة، حيث يمكن لشخص واحد أن يتشبع بخطاب متطرف من الإنترنت دون أي اتصال مباشر بجماعة إرهابية.
ويضيف لوران أن فرنسا تواجه صعوبة متزايدة في رصد هذا النوع من التهديدات، لأن الأجهزة الأمنية تعتمد على مؤشرات واضحة مثل السفر إلى مناطق الصراع أو الاتصالات مع جهات معروفة.
أما في حالة أوليرون، فالمشتبه به لا ينتمي لأي تنظيم ولا يملك سجلًا جنائيًا، مما يجعل اكتشاف الخطر قبل وقوعه شبه مستحيل.
ويرى الخبير أن الحل لا يكمن فقط في تعزيز المراقبة الأمنية، بل في بناء “شبكات إنذار مجتمعية” تعتمد على العائلة والمدرسة والحي المحلي، للكشف المبكر عن التحولات السلوكية للأفراد. فكل حادث من هذا النوع يحمل في داخله مؤشرات تم تجاهلها مسبقًا.
ويحذر لوران من “ثقافة الخوف” التي قد تنمو مجددًا في فرنسا إذا استمرت التغطيات الإعلامية في تضخيم الحوادث الفردية، لأن ذلك يخدم أهداف المتطرفين أنفسهم، حتى لو لم يكن لهم وجود فعلي في الواقعة.
المجتمع الفرنسي بين الخوف والهشاشة
من جانبها، ترى د. إيزابيل فوشيه، أستاذة علم الاجتماع السياسي بجامعة تولوز، أن حادث أوليرون لا يمكن فصله عن السياق الاجتماعي الأوسع الذي تعيشه فرنسا. فالمجتمع الفرنسي، كما تقول، “يعاني من إرهاق جماعي” ناتج عن أزمات متراكمة: اقتصادية، سياسية، وثقافية.
وفي ظل هذا الضغط، يصبح أي حادث فردي قابلاً لأن يُفسّر باعتباره تهديدًا وجوديًا للدولة.
وتشير فوشيه إلى أن موجة العنف الفردي في فرنسا خلال السنوات الأخيرة تعبّر عن أزمة هوية أكثر مما تعبّر عن خطر أمني منظم. فالأفراد الذين يشعرون بالتهميش أو الاغتراب يجدون في العنف وسيلة للتعبير أو الانفجار.
وتلفت الخبيرة إلى أن التركيز الإعلامي على “الدوافع الدينية” وحدها يُغفل جذوراً أعمق تتعلق بالتفكك الاجتماعي وضعف شبكات الدعم النفسي، وتضيف أن حادث أوليرون، سواء كان ذا بعد نفسي أو ديني، يعكس حقيقة واحدة: أن المجتمع الفرنسي يحتاج إلى مصالحة داخلية تعيد الثقة بين مكوناته.
وتختم فوشيه بقولها إن “الخوف من الإرهاب قد يكون أكبر من الإرهاب نفسه”، فحين يتحول القلق إلى ثقافة عامة، يصبح المجتمع كله رهينة لمخاوفه، ويُغلق الباب أمام أي تعايش حقيقي.







