في مفارقة تبدو شديدة الدلالة، تحولت غزة خلال الأسابيع الأخيرة من قضية هامشية في الحسابات الإسرائيلية إلى عنوان رئيسي يتصدر أجندة العالم، بعد أن كانت استراتيجية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تقوم على جعل القطاع “موضوعاً مملاً لا يثير اهتمام أحد”، كما قال في جلسات مغلقة خلال الشهور الأولى من الحرب.
غير أن التطورات الميدانية والإنسانية الأخيرة دفعت غزة إلى صدارة الاهتمام الدولي، مع تدفق الطائرات المحملة بالمساعدات، وتزايد الضغوط السياسية على إسرائيل، في وقت تواجه فيه الحكومة الإسرائيلية موجة من العزلة الدولية. مؤسسات أكاديمية إسرائيلية باتت تُمنع من المشاركة في مؤتمرات أوروبية، وشخصيات إسرائيلية تواجه احتجاجات متصاعدة في العواصم الغربية. فيما تتجه عدة دول، من بينها أطراف في الاتحاد الأوروبي، إلى الاعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية.
وفي خضم هذا التحول، أقر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي بدا في السابق متناغماً مع سياسات الحكومة الإسرائيلية، بوجود “جوع حقيقي” في غزة، نافياً بذلك إمكانية التغطية على حجم الكارثة الإنسانية. هذا التصريح جاء بعد نشر حماس صوراً مؤلمة لرهائن إسرائيليين محتجزين في القطاع، بهدف تسليط الضوء على تدهور الوضع الإنساني.
مع تعثّر “عملية عربات جدعون”، التي هدفت إلى ممارسة ضغط عسكري مباشر على حماس لدفعها نحو التنازل في المفاوضات، بدأت في إسرائيل نقاشات جديدة حول جدوى هذه الاستراتيجية. فقد أفضت العملية إلى نتيجة معاكسة، حيث ازدادت مواقف حماس تصلباً، وارتفعت التكلفة البشرية والمالية للحرب بشكل غير مسبوق.
مصادر سياسية إسرائيلية كشفت أن خيار “الصفقة الشاملة”، الذي رفضه نتنياهو سابقاً، عاد إلى الطاولة، ويقضي بإطلاق سراح جميع الرهائن وإنهاء الحرب مقابل نزع سلاح القطاع. ووفقاً لمصدر مطلع على طريقة تفكير نتنياهو، فإن الحديث عن هذه المبادرة الجديدة لا يعكس تغييراً حقيقياً في الموقف، بل محاولة لشراء الوقت وخلق وهم بالمبادرة.
التكلفة العسكرية لحملة “عربات جدعون” وحدها بلغت 25 مليار شيكل، وشهدت مشاركة خمس فرق وقتل خلالها أكثر من 40 جندياً. كما أدى تجنيد الاحتياط إلى مضاعفة الميزانية المخصصة، حيث ارتفع عدد المجندين من 50 ألفاً إلى نحو 100 ألف، بتكلفة شهرية تجاوزت 4 مليارات شيكل، دون احتساب كلفة عملية “شعب كالأسد” ضد إيران التي كلّفت 22 مليار شيكل إضافية.
لكن الخسائر لم تتوقف عند البعد العسكري، بل امتدت إلى المجالين السياسي والاقتصادي. تصاعد العزلة الدولية، وتهديد الشراكات الأكاديمية والتجارية لإسرائيل، كلها عوامل تطرح تساؤلات حول جدوى استمرار العمليات العسكرية دون أفق سياسي.
في المقابل، يواصل وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش الدفع باتجاه احتلال كامل لقطاع غزة وفرض حكم عسكري، رافضاً النقاش حول خيارات التسوية. وفي لقاء حديث مع قيادات يمينية، دعا الجيش إلى تنفيذ عملية اجتياح شامل للقطاع “بلا تردد ولا حساب”، على حد تعبيره، معتبراً أن الوقت قد حان لـ”إنهاء المعضلة” عبر الحسم العسكري.
غير أن هذه الدعوات تبدو خطابية أكثر منها عملية، إذ لا تُناقش في وزارة المالية أي خطط فعلية لتطبيق حكم عسكري، ولا تُخصص لها ميزانيات مناسبة. بل على العكس، تركّز النقاشات داخل الوزارة على تمويل أعمال لوجستية لدعم مشاريع المساعدات الدولية، خصوصاً تلك التي يديرها الصندوق الأميركي للمساعدات.
المخاوف من تحول الحرب إلى عبء اقتصادي دائم باتت تأخذ طابعاً ملموساً. فحكم عسكري طويل الأمد سيستلزم مخصصات مالية ضخمة وقوة بشرية كبيرة، وقد يستمر لسنوات، متجاوزاً كل التوقعات. وهو ما دفع محللين إسرائيليين إلى التحذير من أن أي خطوة بهذا الاتجاه قد تُدخل إسرائيل في عزلة سياسية أعمق، مع تراجع حاد في مستويات المعيشة، وتحوّل البلاد إلى “دولة منبوذة” على الساحة الدولية.
ووسط هذا الانسداد السياسي، تدرك حركة حماس أن تهديدات الحكم العسكري باتت جزءاً من لعبة الضغط الإعلامي لا أكثر. وربما تراهن على هذا التآكل في رصيد إسرائيل الدولي، والذي بات ينعكس مباشرة على الحكومة التي تواجه شرخاً داخلياً حاداً، وتراجعاً متزايداً في التأييد الشعبي، مع تصاعد المطالب بإيجاد مخرج سياسي فوري يُنهي النزيف البشري والمادي.







