في خضم أسوأ أزمة إنسانية يشهدها قطاع غزة منذ عقود، تبدو البيانات الصادرة عن حركة حماس، التي تندد بتجويع السكان وتحويل المساعدات إلى أداة قتل بطيء، منفصلة عن مسؤوليتها المباشرة في استمرار هذه المأساة. ففي الوقت الذي تشتعل فيه الخيام على أطفال يتساقطون موتى بسبب الجوع، وتئن المستشفيات التي باتت أشبه بمحطات انتظار للموت، تصرّ الحركة على مواصلة خطاب الإدانة الخارجي، متجاهلة فشلها في تحمّل أي مسؤولية سياسية أو أخلاقية تجاه شعبها.
تعظيم خطاب المظلومية
لقد أصبحت مفردات «المجاعة» و«الحصار» و«سرقة الطعام» من العبارات المتداولة في بيانات حماس، وكأن الحركة نفسها ليست طرفاً رئيسياً في إطالة أمد الصراع الذي تسبب بكل هذا الانهيار. تصوّر حماس نفسها في هذه البيانات كأنها مجرد ضحية، وتُخفي تماماً أن رفضها المستمر لأي حلول وسط أو مبادرات هدنة، هو ما أبقى الأوضاع في حالة من التدهور المفتوح، وأدى إلى تقويض فرص إدخال المساعدات أو بناء مسار إنقاذ حقيقي لغزة.
في المقابل، لا تزال القيادة السياسية للحركة تراهن على كسب التعاطف الشعبي والدولي من خلال تعظيم خطاب المظلومية، دون أن تقدم على أي خطوة ملموسة يمكن أن تخفف من الكارثة. لا مفاوضات جادة، لا مراجعة لمواقفها، ولا حتى اعتراف بتكلفة الصراع المتصاعد على حياة المدنيين. وبينما تزداد أعداد القتلى بفعل الجوع وسوء التغذية، خصوصاً بين الأطفال، تواصل الحركة التمسك بمواقفها القصوى وكأنها غير معنية بمصير السكان.
الحركة تدّعي المقاومة والصمود
الوضع الميداني في غزة لم يعد يحتمل المناورات السياسية أو الاستثمار في الألم. فمن غير المنطقي أن تتحدث حماس عن «تحويل الغذاء إلى سلاح» في الوقت الذي ترفض فيه تقديم أي تنازل قد يسمح بوقف القتال، وفتح المعابر بشكل آمن ودائم، أو على الأقل تسهيل وصول المساعدات بصورة منظمة. وبدلاً من تقديم خطة واضحة لإدارة الأزمة، أو تأمين الحد الأدنى من الأمن الغذائي للسكان، تنشغل الحركة بإلقاء المسؤولية كاملة على الاحتلال، متجاهلة أن إدارة قطاع غزة كانت –وما زالت– تحت سلطتها الكاملة.
المفارقة المؤلمة أن أصوات الأطفال المذبوحين جوعاً لا يبدو أنها تزعج قادة الحركة كما تزعجهم خسارة مواقعهم أو تراجع نفوذهم السياسي. كيف يمكن لحركة تدّعي الدفاع عن “المقاومة والصمود” أن تسمح بتحول غزة إلى ساحة موت جماعي؟ كيف يمكنها أن تصر على إدارة الصراع بمنطق الحصار السياسي الذاتي، وكأن المدنيين وقود مشروع لا يجوز مراجعته؟
حتى على مستوى الدعم الدولي، فقد أدى تعنت حماس إلى تراجع الثقة بإمكانية الاستجابة الإنسانية داخل غزة، بل إن عمليات الإسقاط الجوي التي لجأت إليها دول كالأردن والإمارات وبلجيكا باتت تعكس غياب أي قدرة تنسيقية داخل القطاع، بسبب الفوضى الأمنية التي تسود مناطق سيطرة الحركة. وبدلاً من تسهيل تنظيم تدفق المساعدات، تنخرط فصائل تابعة لحماس أو محسوبة عليها في أنشطة سلب ونهب لهذه الشحنات، الأمر الذي يحوّل كل محاولة إنقاذ إلى مخاطرة إضافية.
حماس تلعب دور الضحية البريئة
ما يجري في غزة اليوم هو تذكير مرير بأن الشعارات لا تطعم أطفالاً ولا تحقن دماءً. وإن كانت إسرائيل مسؤولة عن جانب كبير من الكارثة، فإن استمرار حماس في لعب دور “الضحية البريئة” لم يعد يقنع أحداً. المطلوب ليس فقط رفع الحصار أو إدخال الشاحنات، بل إعادة تعريف العلاقة بين المقاومة والشعب، بين الهدف والوسيلة، بين الكرامة التي تُرفع في الخطابات، والكرامة التي تُدهس في طوابير الخبز والحليب.
إن الوقت قد حان كي تدرك حماس أن التمسك بخطاب الرفض المطلق لا يجلب سوى مزيد من الخراب، وأن شعب غزة يستحق قيادة تُجيد الإنقاذ، لا الاكتفاء بالرثاء. فالمجاعة ليست قدراً، بل نتيجة خيارات خاطئة تتطلب تغييراً جذرياً في المسار قبل أن تتحول غزة إلى مقبرة مفتوحة لأحلام الحياة.






