لم ينجح وقف إطلاق النار الساري منذ العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025 في وضع حدٍ لمعاناة المدنيين في قطاع غزة المحاصر. فعلى الرغم من الإعلان عن الهدنة، تواصلت عمليات القتل، وسقط مئات الضحايا منذ دخولها حيّز التنفيذ، في مشهد يعكس هشاشة الاتفاق وعجزه عن توفير الحد الأدنى من الحماية للسكان.
وفي هذا السياق، عبّر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، يوم الجمعة، عن “صدمته” إزاء استمرار العنف، مؤكداً أن الهدنة لم تُترجم إلى واقع آمن على الأرض.
الأمم المتحدة: الأزمة لم تنتهِ
قال أجيث سونغاي، رئيس مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إن ما يجري في غزة يؤكد أن الأزمة ما زالت مفتوحة على كل الاحتمالات. وأضاف أن الفلسطينيين “يموتون كل يوم”، ليس فقط جراء الهجمات الإسرائيلية، بل أيضاً بسبب القيود المفروضة على دخول المساعدات الإنسانية، ولا سيما مواد الإيواء، ما أدى إلى وفيات ناجمة عن البرد القارس وانهيار المباني المتضررة.
آخر هذه الوقائع تمثل في مقتل ما لا يقل عن 11 فلسطينياً في هجوم إسرائيلي يوم الأربعاء، في حين تشير السلطات الصحية في غزة إلى أن عدد القتلى منذ بدء وقف إطلاق النار بلغ 477 شخصاً. وبينما تُحمّل تل أبيب مسؤولية الغالبية العظمى من هذه الوفيات، تؤكد الأمم المتحدة أيضاً مقتل عشرات الفلسطينيين في أعمال عنف داخلية.
غارات المسيّرات و”الخط الأصفر”
العنف، بحسب الأمم المتحدة، لا يقتصر على مناطق بعينها، بل يمتد في مختلف أنحاء قطاع غزة، بما في ذلك المناطق القريبة من “الخط الأصفر”، وهو خط فصل فرضته السلطات الإسرائيلية داخل القطاع لتقييد حركة الفلسطينيين قرب الحدود. وقد رفض المفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، في وقت سابق، اعتبار هذا الخط حدوداً شرعية بأي حال.
وخلال الفترة الممتدة بين بدء وقف إطلاق النار و21 يناير/كانون الثاني 2026، وثق مكتب حقوق الإنسان الأممي ما لا يقل عن 216 حالة وفاة، من بينهم 46 طفلاً و28 امرأة. معظم هذه الضحايا سقطوا نتيجة غارات جوية نفذتها طائرات مسيّرة استهدفت ملاجئ للنازحين ومبانٍ سكنية، في ظل أوضاع إنسانية توصف بالكارثية.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن هذه الظروف أدت أيضاً إلى وفاة تسعة أطفال على الأقل بسبب انخفاض حرارة الجسم، في مؤشر إضافي على انهيار مقومات الحياة الأساسية داخل القطاع.
الصحافة تحت النار
إلى جانب الخسائر البشرية، عبّرت الأمم المتحدة عن قلق بالغ إزاء الاستهداف المتكرر لحرية الصحافة. وندد أجيث سونغاي باستمرار قتل الصحفيين الفلسطينيين، في وقت لا يزال فيه الصحفيون الدوليون ممنوعين من دخول غزة.
وسلط الضوء على غارة إسرائيلية استهدفت سيارة تقل ثلاثة صحفيين فلسطينيين قرب منطقة نتساريم وسط القطاع، في حادثة تضاف إلى سجل طويل من الانتهاكات. وبمقتل هؤلاء، يرتفع عدد الصحفيين الفلسطينيين الذين قضوا منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 292 صحفياً، وهو رقم غير مسبوق في النزاعات الحديثة.
عنف داخلي واتهامات لحماس
التقرير الأممي لم يقتصر على توثيق الهجمات الإسرائيلية، بل أشار أيضاً إلى أعمال عنف داخلية نُسبت إلى حركة حماس. فمنذ بدء وقف إطلاق النار، سُجلت تقارير عن مقتل ما لا يقل عن 80 فلسطينياً في اشتباكات بين عائلات متنافسة أو في عمليات إعدام بإجراءات موجزة.
هذه الانتهاكات، بحسب المفوضية السامية، تزيد من المخاوف بشأن احترام القانون الدولي داخل القطاع، وتؤكد أن المدنيين عالقون بين نيران متعددة، في ظل غياب منظومة حماية حقيقية.
دعوة دولية لإنهاء نزيف الدم
شدد سونغاي على أن الجيش الإسرائيلي “يواصل تجاهل التزاماته بموجب القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في الحياة”، داعياً المجتمع الدولي إلى تكثيف الضغط والدعم لإنهاء إراقة الدماء، واعتماد مقاربة قائمة على الحقوق في مسار التعافي وإعادة الإعمار.
الأونروا تحت الاستهداف
في موازاة ذلك، أكدت الأمم المتحدة التزامها بمواصلة توزيع المساعدات الإنسانية وتنفيذ خطة السلام التي أقرها مجلس الأمن. وقالت أليساندرا فيلوتشي، مديرة دائرة الإعلام في الأمم المتحدة بجنيف، إن للمنظمة “دوراً محورياً في إيصال المساعدات”، مؤكدة أن هذا الدور سيستمر رغم التحديات.
غير أن هذا الالتزام يأتي في ظل ضغوط متزايدة على وكالة الأونروا، بعد تعرض منشآتها لعدة هجمات، كان أبرزها تدمير مقرها الرئيسي في القدس الشرقية المحتلة. وحذر المتحدث باسم الوكالة، جوناثان فاولر، من أن ما تتعرض له الأونروا اليوم قد يمتد غداً إلى وكالات أممية أخرى، معتبراً أن ذلك “يرسي سابقة خطيرة للغاية”.
ورغم القيود الواسعة ومحدودية عمل معظم عياداتها، تواصل الأونروا تقديم خدماتها الأساسية، حيث تعالج نحو 15 ألف مريض يومياً، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من شريان إنساني في قطاع يختنق تحت وطأة الحرب والهدنة الهشة معاً.







